أخبار عاجلةالرئيسيةملفات وحوارات

خيري شلبي خارج الأقواس حوار الكاتب والإذاعي شريف عبد الوهاب

 

تصوير/ آخرون  

بعض الحوارات تنتهي بانتهاء التسجيل، وبعضها يبقى. والحوار الذي أجريته مع خيري شلبي من النوع الثاني.
أتذكره الآن، بعد سنوات من رحيله، فأجد أن كثيرًا مما قاله في ذلك اللقاء لم يكن مجرد إجابات عن أسئلة تتعلق بالأدب والكتابة، وإنما كان أقرب إلى شهادة شخصية على رحلة كاتب عاش بين الناس، وكتب عنهم، ودخل إلى عوالمهم من أبواب لم تكن دائمًا ظاهرة.
كان خيري شلبي يتحدث عن نجيب محفوظ، وعن المهمشين، وعن المهن التي مارسها في صباه، وعن الرقابة والمسكوت عنه، وعن الرواية والسيناريو والمسرح والإذاعة. وكان يتحدث أيضًا عن العمر والمرض والكتابة، وعن ذلك الشعور الغريب الذي ينتاب الكاتب مهما طال به الطريق: هل وصلت بالفعل إلى العمل الذي كنت أريد أن أكتبه؟
رحل خيري شلبي في التاسع من سبتمبر عام 2011، لكن عالمه لم يرحل معه. بقيت شخصياته، وأمكنته، ولهجته، وملامحه الإنسانية، وبقيت تلك القدرة النادرة على التقاط التفاصيل التي قد تمر أمامنا دون أن ننتبه إليها.
ولعل أهم ما يميز تجربته أنه لم يكن يكتب عن الناس من بعيد. لقد عاش بينهم. عمل في مهن مختلفة، اقترب من العمال والفلاحين وأصحاب الحرف، وعرف الريف والمدينة، واحتك بطبقات اجتماعية متعددة. ولذلك عندما كتب عن شخصياته، كان يعرفها من الداخل.
وحين عدت إلى الحوار، وجدت أن فكرة «الأقواس» التي بدأت بها الحديث معه تصلح لأن تكون مدخلًا إلى شخصيته.
قلت له في البداية:
الكاتب الكبير الأستاذ خيري شلبي… هناك أقواس كثيرة في حياتك وتجربتك، وعلينا أن نفك بعضها. هل تحب أن تكون داخل القوس أم خارجه؟
خيري شلبي:
أنا خارج كل حاجة، إلا الفن فقط فأنا في داخله.
كانت إجابة قصيرة، لكنها بالنسبة لي كانت كافية لكي أفهم من أين يبدأ الحوار.
فهو خارج التصنيفات، وخارج الرغبة في أن يحصره أحد في وصف واحد، لكنه داخل الفن إلى أقصى درجة.
ومن هنا بدأت أسأله:
تحب أن تكون ما بين قوسين: مؤرخ طبقة المهمشين، أم صاحب «الوتد»، أم صانع الدهشة؟
خيري شلبي:
لا، أكون الكاتب المبدع، وهي تشمل كل هذه الأوصاف. لأنني كتبت عن المهمشين، وكتبت عن الريف المصري، وكتبت عن المدينة، وكتبت عن الحياة المعاصرة بكل جوانبها ومظاهرها الاجتماعية والفكرية والسياسية والفلكلورية أيضًا.
كان مهمًا بالنسبة إليه ألا يتحول إلى لقب واحد، حتى لو كان هذا اللقب يحمل تقديرًا كبيرًا له.
هو لم ينكر أنه كتب عن المهمشين، لكنه كان يرى أن تجربته أكبر من أن تختصر في ذلك. الكاتب عنده هو الذي يستطيع أن يرى المجتمع في أكثر من اتجاه، وأن يدخل إلى التفاصيل الصغيرة التي تكشف في النهاية صورة الإنسان.
قلت له:
الكاتب الكبير خيري شلبي… نفتح قوسًا: «لولا نجيب محفوظ ما كنت ولا كان أبناء جيلي». هل نقفل القوس أم نتركه مفتوحًا؟
خيري شلبي:
لا، القوس مفتوح. لأن نجيب محفوظ سيظل مؤثرًا في الرواية العربية إلى وقت طويل قادم، خاصة أنه لم يترك شاردة ولا واردة في الشكل الفني للرواية إلا وجربها، ولم يترك شاردة ولا واردة في تاريخ مصر الاجتماعي إلا وغطاها بفن مليء بالحياة والصدق، وقادر على اكتشاف الجوهر الثمين في الحياة.
كان واضحًا أن الحديث عن نجيب محفوظ بالنسبة إلى خيري شلبي لم يكن مجرد حديث عن أديب كبير أثر في جيل من الكتاب.
كان هناك تقدير عميق لتجربة محفوظ، وإحساس بأن تأثيره لم يتوقف عند جيل بعينه.
ومن هنا جاء سؤال آخر:
من قال هذه العبارة: «كيف أكتب عن القرية ولدينا خيري شلبي؟»
خيري شلبي:
قالها الأستاذ نجيب محفوظ في حوار له مع جريدة «الجمهورية» عقب فوزه بجائزة نوبل.
هذه العبارة تحديدًا كانت لافتة بالنسبة لي.
فالكاتب الذي يتحدث عن فضل نجيب محفوظ عليه، يصبح في الوقت نفسه موضع تقدير من نجيب محفوظ نفسه. وبين الاثنين تمتد علاقة أدبية وإنسانية بين جيلين.
المهن… مدرسة خيري شلبي الأولى
انتقلت إلى مرحلة أخرى من حياته وقلت له:
«التنقل بين المهن المختلفة والعيش لفترة طويلة في المقابر شكّلا عوالم عم خيري»… أي كلمة تضعها بين قوسين؟
خيري شلبي:
المهن المختلفة.
قلت : ولماذا؟
خيري شلبي:
لأنها بالفعل التي شكلت عوالمي. فأنا تنقلت وأنا صبي بين العديد من المهن؛ تعلمت نجارًا، وتعلمت حدادًا، وتعلمت مكوجيًا، وتعلمت خياطًا، وكنت بائعًا سريحًا في الإسكندرية، وكنت بائعًا في محل، وكنت بائعًا لحسابي الخاص بما يسمى الكومسيونجي.
لم أصمد في أي منها طويلًا، اللهم إلا مهنة الخياطة التي قضيت فيها شطرًا طويلًا من طفولتي.
فهذه المهن التي تنقلت بينها أطلعتني على حقيقة الشعب المصري بجميع طبقاته وفئاته، وأطلعتني على المخفي من أسراره ومن وجدانه.
ثم إن احتكاكي بطبقة عمال الزراعة والتراحيل لمدة طويلة من الصبا أطلعني أيضًا على الفلكلور المصري وحببني فيه وجعلني من قرائه الدائمين.
فهذه هي المسيرة الحقيقية التي زودتني بالسماد الفني والموضوعي الذي لا أزال أستقي منه موضوعاتي إلى اليوم.
هذه الإجابة ربما تفسر جانبًا كبيرًا من عالم خيري شلبي.
فالمهن التي مر بها لم تكن مجرد ذكريات من سنوات الطفولة والصبا. لقد كانت، كما قال بنفسه، مصدرًا من مصادر تكوينه الأدبي.
نجار، حداد، مكوجي، خياط، بائع… أسماء مهن تبدو عادية، لكنها بالنسبة إلى الكاتب كانت أبوابًا يدخل منها إلى المجتمع ويتعرف إلى الناس.
وهذا يفسر لماذا تبدو شخصياته في كثير من الأحيان وكأنها جاءت من الحياة مباشرة.
كان عندي سؤال آخر يتعلق بالكتابة والمسكوت عنه.
كنت قد قرأت له عبارة يقول فيها إنه يريد أن يحقق في كتاباته «علوًا كاشفًا لما هو دقيق ومخفي على هذه الأرض».
فسألته:
فما هو المخفي الذي تريد أن تضعه بين قوسين؟
خيري شلبي:
المشاعر الحقيقية التي نقمعها في داخلنا خوفًا من الرقابة الاجتماعية، أو الرقابة الرسمية والإدارية، أو الرقابة الدينية، أو من جميع أنواع الرقابات.
هناك الكثير من المسكوت عنه في الكتابة. أشياء يجد الكاتب نفسه مجبرًا على مجانبة هذه الأشياء، وهذه الأحاسيس، وهذه المشاعر، أو هذه الاتجاهات الفكرية، حتى لا يصطدم بالمجتمع وبالقوة الجاهلة فيه.
وهي، مهما كانت صغيرة، إلا أنها قوية ولها سلطان كبير جدًا مسيطر على الإبداع العربي بشكل عام.
هناك أدب يجب أن يكتب لم نكتبه بعد. وهذا الأدب الذي لم نكتبه بعد هو الذي يمكن أن يقدم للبشرية ما لم يُكتب.
وأظن أنني وبعض الزملاء اقتربنا بشكل أو بآخر من المسكوت عنه في الكتابة الأدبية. وأنا شخصيًا أعتز بعدد كبير من القصص والروايات صورت فيها دخيلة الإنسان، بصرف النظر عن أي رقابة اجتماعية أو دينية أو سياسية.
هذه من الإجابات التي تكشف شيئًا أساسيًا في نظرته إلى الأدب.
فالمسكوت عنه عنده ليس فقط ما تمنعه الرقابة أو يخشى الكاتب الاقتراب منه، وإنما ما يخفيه الإنسان نفسه، وما لا يستطيع أن يقوله بسهولة.
وهنا تصبح الكتابة محاولة للدخول إلى المناطق التي لا نراها عادة في حياة البشر.
قلت له:
أديبنا الكبير خيري شلبي… نفتح قوسًا: «رشحتك مؤسسة كندية للحصول على جائزة نوبل للأدب». نقفل القوس أم نتركه مفتوحًا؟
خيري شلبي:
لا، نقفل القوس.
لماذا؟
خيري شلبي:
لأني لا أعلق آمالًا كبيرة أو صغيرة على هذا الترشيح. واعتقادي أن جائزة نوبل ليست سهلة إلى هذا الحد.
وكونها جاءت لنجيب محفوظ، فنجيب محفوظ صاحب موقف ريادي وصاحب إنتاج ضخم جدًا يقارن بأكبر كتاب العالم.
أما بالنسبة لي ولجيلي، فالمشوار لا يزال طويلًا.
وأنا بطبيعتي نفيت نفسي من الجوائز. لم أتقدم لأي جائزة طول حياتي، والجائزة التي حصلت عليها فوجئت بها.
والجائزة الحقيقية هي أن تفاجأ بها، لا أن تتقدم إليها وتدخل مسابقة؛ ففي المسابقات دائمًا يفوز فيها غير الفرسان.
لم يكن خيري شلبي، في هذا الحوار على الأقل، مشغولًا كثيرًا بفكرة الجائزة.
كان يرى أن الكاتب أمامه طريق طويل، وأن قيمة التجربة لا تقاس فقط بما تحصل عليه من تكريم.
ولذلك أغلق قوس نوبل بنفسه، وعاد إلى ما كان يعنيه أكثر: الكتابة.
قلت له:
الأديب الكبير خيري شلبي… «السيناريست خيري شلبي». هل نغلق القوس؟
خيري شلبي:
نقفله برضه، لأنها تجربة.
أنا أصلًا كنت أكتب القصة القصيرة، وهناك فترة اشتغلت فيها كاتبًا للسيناريو، وتخرجت في معهد السيناريو الذي أقامه المرحوم صلاح أبو سيف، وكنت في أول دفعة ونجحت بتقدير متميز.وعملت في كتابة السيناريو سنوات طويلة جدًا إبان ظهور التليفزيون، وشاركت في الكتابة الدرامية، وأعددت قصصًا للإذاعة ومسلسلات وما يقرب من ألف تمثيلية إذاعية في صوت العرب والبرنامج العام والشرق الأوسط.
وكان صوت العرب كبيتي تمامًا.
وكان حلمي أن أكون كاتبًا مسرحيًا، لكن المسرح ضُرب في عصر أنور السادات وانهار المسرح تمامًا، فأحبط حلمي المسرحي.
إلا أن ما أعددت نفسي له ككاتب مسرحي أفادني في كتابة الرواية وفي التوفيق في رسم الشخصيات الدرامية كما ينبغي.
أما بالنسبة للسيناريو، فقد اتضح لي في وقت مبكر أنه ليس طريقي، لأنني في الرواية أعيد بناء العالم من جديد كما أرى، أما في السيناريو فلا بد أن يشاركني شركاء كثيرون، منهم المخرج ومنهم الممثل.
ولهذا امتنعت عن كتابة السيناريو مدة كبيرة جدًا، إلى أن اشتروا مني رواية «الوتد»، وعرضوا عليّ أربع محاولات للسيناريو فلم يعجبني أي منها.
وجدت أنه إنقاذًا للرواية فلا بد أن أكتبها بنفسي. وكتبتها في عام ونصف العام، وصادفت مخرجًا واعدًا هو أحمد النحاس الذي تواضع أمام النص، فجاء العمل ناجحًا بكل المقاييس.
ولكنني رغم ذلك لم أجد في نفسي القدرة على الاستمرار في كتابة السيناريو؛ لأنه يحتاج إلى جهد مضاعف، وأنا دماغي أصبح مبرمجًا على تقنيات الرواية.
وحينما أكون لاعبًا هدافًا في كرة القدم ثم أذهب لألعب في فريق كرة السلة، فلا بد أن أكون لاعبًا من الدرجة العاشرة!
كان واضحًا أن الرواية هي ملعبه الحقيقي.
جرب السيناريو، وعرف المسرح، وعمل في الإذاعة، لكن الرواية كانت تمنحه ما يريده من حرية في بناء العالم والشخصيات.
ولفتني حديثه عن الإذاعة، خصوصًا عندما قال إن صوت العرب كان بالنسبة إليه «بيته تمامًا».
وهي شهادة لها خصوصيتها، خاصة من كاتب ترك هذا العدد الكبير من الأعمال للإذاعة.
هل هناك رواية واحدة هي الأقرب؟
سألته:
من بين رواياتك الكثيرة، هل تستطيع أن تضع واحدة منها بين قوسين وتقول: هذه الأقرب إليّ؟
خيري شلبي:
رواياتي كلها يصعب عليّ تمييز واحدة منها عن الثانية، لأن كل واحدة منها أهدر فيها دمي بشكل قاس جدًا.
أنا من النوع من الكتاب الذين يقسون على أنفسهم عند الكتابة، خاصة أنني أتألم دائمًا من أي تحفظات اجتماعية، وأواجه العالم عاريًا تمامًا.
لا يعنيني أن يراني الناس في صورة كذا أو كذا. يهمني الحقيقة الفنية والإنسانية. كيف أبرز الحقيقة الإنسانية؟
أنا لست برجوازيًا لكي أحرص على أن تكون صورتي في نظر القراء صورة مبهجة أو زائفة، إنما يهمني أن أشعر القارئ أنني صادق في كتابتي، وأنني لا أبتغي سوى وجه الحقيقة.
لم يكن يريد أن يختار رواية من أعماله ويضعها فوق الأخرى.
كل رواية عنده كانت تجربة كاملة، وكل تجربة أخذت منه شيئًا.
والأهم أنه كان يرى أن الكاتب لا ينبغي أن يخاف من أن يكشف نفسه في الكتابة.


قلت له:
ولو طلبنا منك أن ترشح رواية لمخرج؟
خيري شلبي:
كل رواياتي. كل رواية لي عالم مختلف تمامًا: «السنيورة»، «الشطار»، «الأوباش»، «فرعان من الصبار»، «بغلة العرش»، «موت عباءة»، «زهرة الخشخاش»، «وكالة عطية»، «موال البيات والنوم»…
قلت له:
«وكالة عطية» اتعملت.
خيري شلبي:
لا، في رأيي أنها لسه متعملتش. كل رواية عالم قائم بذاته يستحق أن يعرض على شاشتينا الكبيرة والصغيرة.
حتى الرواية التي وصلت إلى الشاشة لم يكن يرى أنها استنفدت ما فيها.
كان يؤمن بأن العمل الأدبي أكبر من معالجة واحدة، وأن لكل رواية عالمًا يمكن أن يكتشفه مخرج آخر أو زمن آخر.
قلت له:
نصل إلى قوس العمر. قلت عبارة شديدة الجمال: «إحساسي بالكبر لا يؤلمني».
خيري شلبي:
بالعكس. الإحساس بكبر السن يبقى إحساسًا مشبعًا بالتجربة وبالرضاء عما حصلته خلال هذه التجربة من معارف ومن تقنيات فنية.
لكن الخوف هو من المرض. المرض هو الذي يذل الإنسان.
وأنا لأني أخذت نفسي بالشدة فأثر ذلك على صحتي كثيرًا، ولولا أنني أقوم بمقاومة جبارة حتى لا أستسلم للشيخوخة، ما كنت في هذه الحالة الآن.
ولكن رغم ذلك أعتقد أنني بالكاد قد تعلمت الكتابة.
توقفت عند الجملة الأخيرة.
بالكاد تعلمت الكتابة.
يقولها خيري شلبي بعد كل هذه السنوات، وبعد هذا العدد الكبير من الأعمال.
وهنا لم أجد أن السؤال انتهى.
قلت له:
بالكاد تعلمت الكتابة؟! بعد هذا العدد الهائل من الروايات والمجموعات القصصية والدراسات الأدبية والبورتريهات؟
فقال:
خيري شلبي
كل ما كتبته علمني الكتابة.
أوصلني إلى حالة من الرغبة في الكتابة بهذه التقنيات الجديدة التي استطعت الحصول عليها عبر هذه الرحلة الطويلة.
المؤسف أن يأتي ذلك في هذه الشيخوخة، ولكن بروح المقاومة وبقراءاتي الدائمة للشاعر الكبير فؤاد حداد، الذي يملؤني دائمًا بالرغبة في الحياة وفي المقاومة، سوف أستطيع أن أكتب ولو عملًا واحدًا.
قلت:
ولو عملًا واحدًا؟
خيري شلبي:
ولو عملًا واحدًا. المهم أن أضع فيه ما أتمنى كتابته.
ثم سألت:
يعني ما كتبته في الماضي لم يكن هو ما كنت تتمناه؟
خيري شلبي:
لا، ما كتبته أثناء كتابته…
ثم توقفت الكلمات.
الجملة التي بقيت معلقة
لا أعرف، حتى الآن، ماذا كان سيقول بعد هذه الجملة.
هل كان سيكمل بأن الكاتب لا يعرف قيمة ما يكتبه إلا أثناء الكتابة؟
هل كان يريد أن يقول إن العمل الأدبي يتغير في يد صاحبه لحظة بلحظة؟
أم أن هناك معنى آخر كان يريد الوصول إليه؟
الحوار انتهى، والجملة بقيت كما هي.
وربما لو عاش خيري شلبي سنوات أخرى، لكان قد أكملها في حوار آخر، أو في كتاب، أو حتى في جلسة عابرة.
لكن هذا لم يحدث.
ولهذا أصبحت تلك الجملة بالنسبة إليّ جزءًا من قيمة الحوار نفسه.
بدأ خيري شلبي الحديث وهو يقول إنه «خارج كل حاجة، إلا الفن».
وانتهى الحديث بجملة لم تكتمل.
وبين البداية والنهاية تحدث عن نجيب محفوظ، وعن المهن التي عاشها، وعن الناس الذين عرفهم، وعن الرقابة، وعن المسرح والسيناريو والإذاعة، وعن الرواية، وعن الجوائز، وعن العمر والمرض.
وفي كل ذلك كان يعود، بطريقة أو بأخرى، إلى الكتابة.
ربما لهذا لا أرى أن نهاية الحوار كانت في توقف التسجيل.
النهاية الحقيقية كانت في تلك الجملة المعلقة:
«ما كتبته أثناء كتابته…»
جملة تركها صاحبها لنا دون أن نعرف بقية الكلام.
وقد يكون في ذلك شيء يشبه خيري شلبي نفسه.
فهو الذي لم يحب أن يوضع داخل قوس مغلق، ترك لنا في النهاية قوسًا مفتوحًا.
رحل خيري شلبي في 9 سبتمبر 2011، لكن أعماله ظلت حاضرة، وظلت شخصياته وأمكنته وأصواته ولهجته جزءًا من ذاكرة الأدب المصري.
وربما أهم ما يبقى من هذا الحوار ليس حديثه عن جائزة، أو رواية، أو مهنة، وإنما اعترافه بأنه، بعد كل هذه الرحلة، كان لا يزال يشعر بأنه يتعلم الكتابة.
هذه ليست جملة تخص خيري شلبي وحده.
إنها، في ظني، واحدة من أكثر الجمل صدقًا التي يمكن أن يقولها كاتب عن نفسه.
فالكاتب الحقيقي لا يشعر بأنه انتهى.
كل كتاب يفتح له بابًا جديدًا، وكل تجربة تقوده إلى تجربة أخرى، وكلما ظن أنه اقترب من الكتابة التي يبحث عنها اكتشف أن أمامه مساحة أخرى لم يصل إليها.
ولهذا ربما كان خيري شلبي، فعلًا، خارج الأقواس.الا الفن.ففي الفن ظل إلى النهاية.
الكاتب والإذاعي
شريف عبد الوهاب
وكيل وزارة الإعلام الأسبق

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى