أ. د. عهود عبد الواحد تكتب من رفوف الذاكرة إلى علامات النص
أ.د.مصطفى لطيف عارف وأسئلة النقد والإبداع

هذه قراءة يسيرة في تجربة نقدية شهيرة تتعانق فيها السيمياء مع شعرية السرد، وتستعيد فيها الناصرية حضورها بوصفها ذاكرة ثقافية لا مجرد مكان ، فهي تتحفنا دائماً بما يدل على تألقها المتميز وجمعها بين الأصالة والحضارة والعمق التاريخي من جهة وبين الإبداع والعطاء المتجدد لرموزها الذين يحملون في منجزاتهم ما يدل على رسوخ الأصول وعمقها ، وصقل الفروع وتفرُّدها من جهة أخرى ، في ترابط لا يجتمع إلا في من ارتبط َبترابٍ عبقُهُ الشِّعْرُ والأدبُ ورواؤه النَّغَمُ والمَحَبَّةُ .
فمن الشعر إلى السَّرْد ومن القراءة الى النقد ونقد النقد ، ترى مياهها تنبع من التراث وتصب في الحداثة ؛ لتُرِيَنَا أنَّها بابٌ من أبواب المعرفة المعطاء ، وأنَّ أبناءها قد جمعوا بين النَّقَاء وجودة العطاء وعمق الأداء ، ولا أستطيع في مقالي هذا الاستقصاء بل الاقتصار على من تمكَّنْتُ من قراءة جوانب من منجزهم الثر الذي صَقَلَهُ بكثرة الاطلاع وغاص إلى أعماق مداليل الإبداع في الشعر والسرد والنقد ، ذلك هو الناقد أ.د.مصطفى لطيف عارف الذي قطع المسافة بين النظرية والنص؛ تلك المسافة التي يتحوَّلُ فيها المفهوم من زينة اصطلاحية إلى أداة للكشف، فغدا النص الأدبي أكثر اتساعًا بعد قراءته، لا أكثر انغلاقًا تحت ثقل الشروح.
ولم يكتفِ بتوزع اشتغالاته بين النقد الأدبي الحديث، والسيمياء، والتأويل، وشعرية السرد، بل أتحف الساحتين الثقافية والأدبية بما يزينها فكان واحدا من أصحاب السرد وأبدع خمساً وأربعين قصة قصيرة ضمَّتْهَا دفتا (غبار الرفوف ) بعد الأجزاء الثلاثة للأماني ،فقد أرانا قصصا خلت ممَّا أُثْقِلَ به غيرها ، وربما لأنَّها كُتِبَتْ بيراعِ ناقد ٍغاصَ في أعماق هذا الفن وتخلَّص من شراكٍ طالما اصطادتِ العديد من نقاطٍ مثيرة للجدل في منجزات المبدعين في مجال القصص، ورُصِّعَتْ بخيالٍ تعانقت فيه الشعرية بالسرد وانعكست فيه الصور التي لاتعترف بوجود المسافة والحد بين الأجناس الأدبية .

إنَّ المتتبع لمنجز أ.د. مصطفى لطيف عارف يعجب من كثرتِهِ وتنوعُّ ِفنونِهِ، فالمطبوع كثير ، وما في جعبته في طريقه إلى النور ليس بالنزر اليسير ، فقائمة المنشور تطول وقد توزع بين التأليف في فنٍّ معيَّنٍ ، أو دراسة الشخصيات بمفردها أو دراستها مجتمعة في ظاهرة معينة .
ومِمَّا لفت انتباهي أنه لم يخص المشاهير في المشهد الثقافي العربي بدراساته بل آثر أن ينشغل بالمشهد الثقافي المحلِّي ويظهر مبدعي مدينته ووطنه ويكون قلمه مرآة لجمال عطائهم .
لقد أولع بالمناهج النقدية المعاصرة فزرعها في أرضه لتثمر :(قراءات سيميولوجية معاصرة لنصوص مختارة)، و (شعرية السرد عند شوقي عبد الأمير: المقولة والإجراء قراءة سيميائية في ديوان (بريد الفتى السومري)، وتدل هذه العناوين على مسارات تتصل بالعلامة، وإنتاج الدلالة، وتأويل الخطاب، والبحث في الخصائص التي تمنح السرد شعريته وخصوصيته. لكن العِبْرة النَّقْديَّة لا تكمن في إعلان الانتماء إلى منهج بعينه؛ فالسيمياء، مثلًا، لا تصبح فاعلة لمجرد حضور مفردات العلامة والرمز والدلالة، وإنَّمَا تشرق حين تكشف العلاقات التي تنتظم النص وتنتج معناه.
لقد انتقل بها من سطح العبارة إلى شبكة الدلالات لتحتل موقعًا بارزًا في مرتكزات عطائه ، وهي مقاربة تتيح النظر إلى النص الأدبي بوصفه شبكة من العلامات المتفاعلة، لا مجموعة من الجمل التي يمكن الاكتفاء بتلخيص معانيها المباشرة. فالمكان، والاسم، والصورة، والحركة، والصمت، وتكرار المفردة، كلها قد تتحول إلى عناصر فاعلة في إنتاج الدلالة. ولم تكن قراءته السيميائية تُغرق النص في أسماء المفاهيم، بل تعيدنا إلى النص بعد أن تجعلنا نرى فيه ما لم نكن نراه من قبل.
أمَّا التأويل عنده فمقنع إلى حد كبير ؛ لأنَّه لا يستمد مشروعيته من تعدد الاحتمالات وحده، بل من قدرة القراءة على إقامة الصلة بين الاحتمال وشواهده النصية.
ولابد من سؤالين يطرحان أنفسهما في قلب تجربة د. مصطفى لطيف النقدية :
أحدهما : ما الحدُّ الذي تتحول المناهج التي يستعين بها إلى إجراءات ملموسة في قراءة النص؟
والآخر : ما حدود موازنته بين المفهوم النظري وخصوصية التجربة الأدبية التي يتناولها؟
إنَّ هذين السؤالين لا يثلبان قيمة المنجز، بل يضعان حدود الطريق الأكثر جدوى إلى دراسته؛ فالنقد لا يُقاس بوفرة المصطلحات، بل بما تفتحه من أبواب للفهم. ولاسِيَّما أنَّ هذه الشخصية تتنقَّلُ بين الشِّعر والسَّرد. فالمعروف أن القصيدة لا تُقرأ بالطريقة نفسها التي تُقرأ بها الرواية؛ فالأولى تتكثف فيها الصورة والإيقاع والعلاقات المجازية، بينما تطرح الأخرى أسئلتها المتعلقة بالشخصيات والزمن ووجهة النظر وبناء الحدث ، فالذي يمنح الناقد مساحة التميز هو سماحه لكل جنس بأن يكشف النقاب عن قوانينه، مع قدرة على عدم إخضاع النصوص كلها لقالب إجرائي واحد.
ورب سائل يسأل أَ كُلُّ مؤلفاته دارت في مناهج محددة أم بعضها عام في موضوع محدد ؟
الجواب : مثل ما وجد الخاص فيها وجد العام
فمما اختص بدراسة الشخصيات كتابه :
ـ رشيد مجيد: حياته وشعره ،
ـ وقد يخصُّ أديبا بجانب كبير من اهتمامه ، ومثال ذلك مجموعة من الكتب والدراسات النقدية عن أدب وسرديات عبد الزهرة عمارة ،
مثل: (مقتربات السيميوطيقيا، وتقنيات السرد، والراهب الصامت، وقراءات سيميائية نصية) ، وقد جمع فيها بين الغوص في أعماق بحار العماري واللآلئ التي جمَعَهَا د. عارف وضمَّتها سطور تلك المؤلفات .
ومما انصهر في بوتقة د. مصطفى ولَعُهُ واهتمامُهُ بالمزاوجة بين فرائد الشعر والسرد ، من ذلك ما أصدره من كتاب نقدي حديث حول السيميولوجيا الشعرية في مجاميع زيد الشهيد القصصية (صدر عن دار السرد في أكتوبر 2026 .)
ومن دراساته التي دارت حول ظاهرة جمعت مجموعة من الشعراء :
ـ قراءات سيموطيقية لقصائد عراقية .
ـ مقاربات تأويلية لسرديات عراقية .
فأحدهما دار في فضاء الشعر والآخر غاص في بحار السرد مستشهدا فيهما بما يسند حضورهما في الشعر والسرد العراقيين .
إنَّ اهتمام د. مصطفى بمنجزات معاصريه من الشعراء والروائيين ميَّزه من بين النقاد باستيعاب المشهد الثقافي وتطبيق ما يقال بحق هذه الفترة الزمنية الثقافية بشكل عملي من خلال استقراء ما يمثلها من فنون القول المتجددة ، مما جعل صلته بالمبدعين الذين يحلل إبداعهم متينة مبنية على استشراف عصارة عقولهم وهمسات أرواحهم وتناولهم لهموم مجتمعهم وتقديمهم الحلول المناسبة من خلال رؤاهم وانعكاس ثقافاتهم فيها .
أمَّا مدينته الناصرية فقد مثَّلت ارتباطه بالأرض بالجذور الممتدة عبر الزمن لتمنحه الأصالة والهوية الحضارية، وهي تختزن ذاكرته الثقافية وتحتضن مشروعه في
توثيق شعراء مدينته ودراسة أدبها وتحولاته، لقد ربطت تكوينه بروح الأسطورة
كما صرَّح بذلك في جريدة الزوراء ، وتمثل بيئة تكوينه ومدرسته الأولى في
الأدب وهي فضاء إبداعه المحلي ومطالعاته المبكرة ومدرسته الأولى في الأدب ، وقد تجاوز انتماءه إليها إلى الاهتمام بخصب شعرها وجميل مخيلة شعرائها وبديع
ما أودعوها من دواوين وما مثلوه من تجارب شعرية أدبية ، وكان ذلك غيث
مداده قد روَّى ترابها العطر بـ :
ـ معجم شعراء الناصريَّة .
ـ دراسات نقدية عن شعراء مدينة الناصريَّة.
ـ نشأة وتحولات قصيدة النثر في مدينة الناصريَّة .
لم تكن مدينة الناصرية لتغبن حق المبدعات وهذا ما تجسَّد في نقد مبدعها د. مصطفى لطيف ، فلم يقتصر قلمه النقدي على المنجز الإبداعي الذكوري بل نالت المرأة من اهتمامه ما يقرِّب أدبها من الأنفس من خلال تفكيك رموزها والغوص في بحر مدادها ، مع ملاحظة أنَّ ما تقدمه يعكس صورا قد لايعكسها منجز الكتاب الآخرين.
وكان لي شرف اهتمامه بشعري ، ولاسيما قصائدي في ديوانيَّ (هي ذي العهود ) و(حين يبوح الرباب)
فقد تناول قصائد منهما بالتحليل والتفكيك وضمَّها كتابه النقدي الصادر عن دار أمارجي في 2023 (قراءات سيميوطيقية لقصائد عراقية) وعند قراءتي لفهرسه وجدت عناوين متعددة تناول تجارب شعرية نسوية، فكانت مقالاته الثلاث :
ـ الآخر المدحي في قصيدة (ألطاف النوال ) لـعهود عبد الواحد ، وكانت هذه القصيدة مرتجلة شكرتُهُ فيها على ما قدَّمه لي من دراسة وتحليل لقصائدي ،وهذا ديدني في إجابة إخوتي وزملائي في مراسلاتي معهم فشاء الله أن يجعلها الناقد د. مصطفى محطة من محطات تحليله لأشعاري على الرغم من عفوية كتابتها وارتجالها .
ـ رثاء الأب في ديوان (هي ذي العهود) لعهود عبد الواحد ،
ـ قراءة نقدية في قصيدة( له في منقبة قدوم) ، رثاء الأحبَّة في ديوان ( حين يبوح الرباب) .
ومن جميل ما كتبه الناقد الأستاذ عقيل هاشم عن هذا الكتاب بعنوان : ( قراءات سيموطيقية لقصائد عراقية) كتاب نقدي للناقد الأكاديمي ” أ. د مصطفى لطيف عارف” قراءة: عقيل هاشم في (بصرياثا في 2/10/2023)
متناولا ثيمة الشعر النسوي في هذا الكتاب بقوله :
((أعتقد أن أهمية الشكل الشعري النسوي يأتي من كونه يحكم موضوع القصيدة بشكل ما من خصوصية مفهوم الجندر ، الحداثة وصراعاتها وهمومها وحساسياتها ، قصائد الشاعرة عهود تنتمي للشعر العامودي ,فان بنية القصيدة وإيقاع المعني فيها،…فالصوت النسائي “عهود عبد الواحد ” في قصيدة المديح للمؤلف الدكتور مصطفى – ورثاء الاب – القصائد نجدها شهية واكثر شفافية ، بالرغم من فيها من القوة والرقة والصدق والبلاغة ما يكفيها لتتربع على عرش القصيدة التراثية ،الشاعرة تمتلك جرأة في البوح ولغة مشاكسة إن جاز التعبير، تفضي إلى العفوية والحب الشفيف والعميق في خصوصية المرأة وشؤونها والتعبير بحرية ورؤية دالة؟
ما يهمنا حقا في الشعر ” المديح -الرثاء” ، أن تكون القصيدة من الخفة والانسيابية بحيث لا توقفك في مقاطع أو كلمات لتقول تصريحا تقريريا جافا، ذرة من القصدية
تفسد القصيدة وتحولها إلى بيان أو اعتراف أو دعوة لفكرة، أنها مؤشر على شاعرية الشاعرة وإذابة المعنى في الكلمات ))
إنَّ هذا المنهل المنساب من العطاء المتنوع لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه كثرة عناوين فحسب، بل بوصفه محاولة للاقتراب من النصوص عبر مداخل متعددة، مع ضرورة مساءلة ما يتيحه كل مدخل من معرفة، وما قد يتركه خارج مجال الرؤية.
أ .د.عهود عبد الواحد عبد الصاحب كلية التربية / ابن رشد جامعة





