مرڤت حسين تكتب قراءة تأملية في “سيدة الغابة والأحراش” للكاتب أحمد حلمي.

أحمد حلمي صاحب قلم مغامر، حيث شكل قصة بمنظوره الخاص في مجموعته القصصية “سيدة الغابة والأحراش”. في آخر سطر من القصة الأولى، يدير الكاتب المشهد باقتدار واعٍ ليفسر ما نثره سابقاً؛ بأنه ليس إلا هذيان بفعل “الخمر الرخيص”.
أحياناً يكون التهكم على الواقع المؤلم دافعاً للبحث عن حلول تدخلك في دوامة اللاوعي، لتجد مبرراً لذاتك المتربصة الحذرة، فتخرجها من المشهد وتحرر قلمك ليكون أكثر صخباً، بل “مخضباً” سهمه في وجه المارة؛ وهو ما لم تستطع أن تُقدم عليه وعقلك يقظ لكل هفوة تتمعن بها. هذا ما فعله أحمد حلمي في “سيدة الغابة”، وهي بالفعل غابة متشابكة داخل نفس لا تعرف أي اتجاه تسلك لتصل إلى بر النور. كما أن استخدامه للفظ “الأحراش” جاء في منتهى الدقة لوصف الشذرات العالقة بذهن غائب عن الوعي، ومعبراً عن “الانفصالية” التي سرد بها الأحداث في غير تناسق خارج عن المألوف؛ فالأحراش هي “أماكن تنمو فيها شجيرات متوسطة الطول متباعدة نسبياً”، وهذا الوصف هو الأدق تعبيراً عن الطريقة التي استخدمها حلمي في كتابة القصة.

تأملات في المقاطع:
• انظر معي وتأمل هذا المقطع: (عدتُ إليها نصفاً، والأرباع الباقية مشتتة خلفي تبحث عن طريق العودة). هنا نفس تجاهد بالابتعاد عما يخذل كينونتها الحقيقية التائهة التي تحاول البحث عن مخرج، ولكن الفشل أرخى قلاعه أمام حسنائه، فكانت النتيجة هزيمة نصفه، أما المتبقي من النصف الآخر فمنقسم إلى أرباع متشرذمة، مما يعبر عن تكرار محاولاته للتخلص من انهزاماته المتلاحقة؛ فله عودة وأمل في الانتصار والتحرر من إدمانه، وإدمانه هنا ليس بالضرورة لامرأة، بل للمادة أياً كانت.
• وفي هذه العبارة: (مع أنفاس سيجارتي، أحرق ذنوبي في حبكِ فأنا العاشق السيئ المسيء). برغم الولع والاشتياق الحار، إلا أن جهاد النفس مسيطر في جملة “أحرق ذنوبي في حبك”، ويتجلى بوضوح في “فأنا العاشق السيئ المسيء”؛ كتابع لنفس معذبة.
• ونجد في هذا المقطع: (تعلمين أني أعبد الظلام، وأقدس الوحدة، وأعلم أنكِ مؤمنة، ولقاؤنا نور كافر يخرق كل الأستار. نور يفضح حقيقتنا البالية، وأرواحنا المتهالكة، فنتعرى أمام أنفسنا، كما نتعرى أمام بعضنا). تحرى حلمي حالة من الصدق والمكاشفة أمام الذات، ويزيد النص قوةً هذا “التضاد” بين (الظلام) و(النور). ثم نرى الصور البديعة في عبارة “لقاؤنا نور كافر”؛ وهي صورة مستحدثة وبصمة خاصة بأحمد حلمي.

•
البنية الدرامية واللغوية:
ابتكر الكاتب طريقة مختلفة في استخدام الضمائر دون إخلال بالنص، بل لخدمة الحالة الخاصة التي خلقها بذهنه قبل تقديمها في حوار شائك بالمعرفة، مثل: “أنا، أنت، نحن”. كما كان التكرار في الأفعال (أجلس/ يجلس/ نجلس) يعكس ثلاثة أجساد لشخص واحد، لكن حالة فقدان الوعي جعلته يرى نفسه من زاوية استثنائية قد تتعجب منها، ولكنها تخدم النص تماماً.
وهناك “نقطة تحول” في القصة بين زمانين في عبارة: (فإلى لقاء على الجانب الآخر من السرداب)، وهي محور إدارة المشهد لتتحول الرؤية بمنظور آخر، يكون الخيال فيه هو البطل.
يقول حلمي: (طوال الخط الممتد قديماً لم ألقِ لتكتكات التروس بالاً، الآن برئة منهكة من التبغ الرخيص وبين الخوف من الهرس وخوف من الفوت أفر وألاحق سنونها النحاسية الباردة). نجد هنا تحدياً للزمن مع تكتكات التروس النحاسية التي لم يكن يلقي لها بالاً في الماضي.
**أخيراً، أعرض بعض المقاطع التي سيطرت عليها الصور الجمالية حد الروعة:
”من قال إن الراحة في الخلاص؟ الراحة وهم كالزمن، كالسعادة، كالحب، كأنا وأنت ونحن، فدعيني مع الوحدة في حساب عسير عن أعوام خلت وأعوام ستأتي”.
”أشعل سيجارتي، يغيب الشيخ خلف الدخان، خصرها يحوي العالم، أنفاسي تشتعل، تغيب الدنيا إلا هي، تتوحد مع النغم، أتوحد مع السيجارة، ويبزغ الفجر على خيط دخان”.
بقلم: مرڤت حسين





