أخبار عاجلةالرئيسيةدراسات ومقالات

الحملات الإعلامية والدبلوماسية الشعبية بقلم : مجدي بكري

رئيس التحرير التنفيذي لجريدة عالم الثقافة

 

 

حين تُقاس الحملات الإعلامية بنتائجها المباشرة، قد يبدو الحكم عليها سريعاً ومحدوداً، لكن حين تكون الحملة ذات طبيعة فكرية – تراكمية، كما هو حال حملة «تكامل… عرب وكُرد… مصير مشترك»، فإن معيار التقييم يصبح أعمق، هل نجحت في إحداث تحول في الوعي؟ وهل استطاعت أن تُعيد تشكيل زاوية النظر إلى قضية معقدة تاريخياً؟

خلال الأشهر الماضية، لم تتحرك “تكامل” في مساحة فراغ، بل دخلت إلى واحدة من أكثر المساحات حساسية في المنطقة، العلاقة العربية – الكردية، بما تحمله من تداخلات سياسية، وإرث من سوء الفهم، وأحياناً التوتر، ومع ذلك، اختارت الحملة أن تبدأ من نقطة مختلفة تماماً من الإنسان، لا من السياسة، ومن المشترك، لا من المُختلف عليه.

أول ما يمكن رصده في أثر الحملة هو إعادة صياغة السردية، فبدلاً من الخطاب التقليدي الذي يُقدّم العلاقة العربية – الكردية ضمن إطار الصراع أو التنافس، بدأت “تكامل” تطرح رواية بديلة تقوم على التاريخ المشترك، والتداخل الاجتماعي، والتجارب الإنسانية المتقاربة، وهذا التحول في السردية ليس تفصيلاً، بل هو مدخل أساسي لأي تغيير طويل الأمد في المزاج العام.

ونجحت الحملة – ثانياً – في اختراق الفضاء الرقمي العربي بأسلوب مختلف، فبدلاً من الاعتماد على الطرح النخبوي الجاف، قدّمت محتوى متنوعاً يجمع بين العاطفة والمعرفة، إنفوغرافيك مبسّط، نصوص وجدانية، ومضامين ثقافية قادرة على الوصول إلى شرائح واسعة، وهذا التنوع لم يكن مجرد خيار فني، بل كان جزءاً من استراتيجية واعية تهدف إلى بناء تفاعل تدريجي، لا صدمة آنية.

أما على مستوى النتائج، فيمكن القول إن “تكامل” أسهمت في خفض منسوب الحساسية تجاه الملف الكردي لدى قطاعات من الجمهور العربي، ولو بشكل نسبي، وهذا بحد ذاته إنجاز مهم، لأن التغيير في القضايا المركّبة لا يحدث عبر المواقف الحادة، بل عبر التراكم البطيء في الإدراك.

الأهم من ذلك، أن الحملة قدّمت نموذجًا عمليًا لما يمكن تسميته بـ( الدبلوماسية المجتمعية غير الرسمية ) أي تلك الجهود التي لا تقودها الحكومات، لكنها تهيئ البيئة الاجتماعية لأي تقارب سياسي محتمل.

وفي منطقة تعاني من فجوة ثقة عميقة بين المكونات، يصبح لهذا النوع من المبادرات دور يتجاوز الإعلام، ليصل إلى مستوى التأثير في بيئة القرار نفسها، ولو بشكل غير مباشر.

ومن زاوية أخرى، فإن “تكامل” أعادت طرح سؤال مهم مفاده هل يمكن للإعلام أن يكون أداة بناء، لا مجرد ناقل للأزمات؟ التجربة هنا تقول نعم، ولكن بشروط، أهمها وجود رؤية واضحة، واستمرارية في الإنتاج، وقدرة على ملامسة وجدان الناس دون الوقوع في الخطاب الشعبوي.

وعند الانتقال إلى مستوى الانعكاسات المحتملة، تتضح الصورة أكثر، فإذا استمرت مثل هذه المبادرات وتوسعت، فإنها قد تساهم في تهيئة أرضية اجتماعية أكثر تقبّلاً لفكرة الشراكات داخل الدول متعددة المكونات، خصوصاً في حالات مثل سوريا والعراق،فالتحدي في هذه الدول لم يكن سياسياً فقط، بل كان – ولا يزال – تحدياً في بناء الثقة بين مكونات المجتمع.

كما أن نجاح “تكامل” يفتح الباب أمام تكرار النموذج في ملفات أخرى داخل المنطقة، سواء في العلاقات بين مكونات إثنية أو دينية مختلفة، أو حتى في سياقات إقليمية أوسع، بمعنى آخر، نحن أمام تجربة يمكن تحويلها إلى “مدرسة عمل” في إدارة التنوع عبر الإعلام.

ولا يمكن إغفال البُعد الاستراتيجي المرتبط بالجهة التي تقف خلف الحملة، وهي شبكة الاستشراف الدولية، فوجود مؤسسة تمتلك هذا النوع من الرؤية، والقادرة على الجمع بين التحليل والإنتاج الإعلامي، يمنح المشروع قابلية للاستمرار والتوسع، بدل أن يبقى مجرد مبادرة عابرة.

في المحصلة، لا يمكن الادعاء بأن “تكامل” غيّرت الواقع بشكل جذري خلال أشهر، فهذا يتعارض مع طبيعة التحولات العميقة، لكنها، بلا شك، نجحت في وضع حجر أساس مختلف،يقوم على فكرة بسيطة لكنها مؤثرة وهي أن ما يجمع الشعوب يمكن أن يكون أقوى من كل ما فُرض بينها من انقسامات.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للحملة،، ليس فيما أنجزته فقط، بل فيما يمكن أن تُمهّد له.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى