منال رضوان تكتب ماياكوفسكي رصاصة المستقبلية في صدر البيروقراطية السوڤيتية

بمناسبة الاحتفاء باليوم العالمي للغة الروسية، الموافق السادس من يونيو —وفقًا للتاريخ الذي اعتمدته اليونسكو متزامنًا مع ذكرى مولد شاعر روسيا العظيم ألكسندر بوشكين في مثل هذا اليوم لعام ١٧٩٩، الذي سبق وأن قدم عنه المترجم الفلسطيني نجاتي صدقي أحد أهم كتبه بعنوان أمير شعراء روسيا، وقد سبق تناولُه في العام الماضي— لذا فإننا إزاء الحديث عن شاعر آخر ربما تشابهت نهايته المأساوية مع نهاية بوشكين، وهو الشاعر الروسي فلاديمير ماياكوفسكي، المولود بجورجيا عام ١٨٩٣ والمتوفى في موسكو عام ١٩٣٠، والذي شكّل ظاهرة أدبية استثنائية في تاريخ الأدب العالمي؛ إذ تكتسب قراءة مسيرته في اليوم العالمي للغة الروسية أهمية خاصة في الكشف عن تفاصيل تُبرز تداخل الفن والثورة من ناحية، وسؤال الهوية الإبداعية عند مرورها بمنعطفات سياسية من ناحية أخرى.
عن البدايات، فقد انخرط ماياكوفسكي في العمل السياسي الثوري بانضمامه إلى الحزب البلشفي عام ١٩٠٨ وهو في الخامسة عشرة من عمره، مما عرضه للاعتقال والسجن بتهمة توزيع منشورات معادية؛ وهي المرحلة التي شهدت تحولًا جذريًا في وعيه الأدبي، إذ انتقل من الرفض العفوي للأشكال الكلاسيكية المستقرة إلى صياغة رؤية فنية جديدة تتجاوز القوالب التقليدية التي ميزت المشهد الثقافي آنذاك (للمزيد: النضال ضد عبادة الماضي، الاتجاهات الطليعية الروسية، ع. الجنابي، ص ٢٥٦).
كما شكلت مرحلة الدراسة في معهد الفنون، واللقاء بالرسام دافيد برليوك، نقطة انطلاق حاسمة نحو تأسيس جماعة المستقبلية الروسية؛ هنا حيث وجد الشاعر الفتي والمناضل الشاب في أدوات المستقبلية، تعبيرًا دقيقًا عن حركة العصر السريعة، وإيقاع المدينة الحديثة، وصوت البروليتاريا الصاعد، متأثرًا ببعض ملامح الرمزية من دون الانكفاء عليها.
ولعل الرفاق اطمأنوا إليه وقتها، خاصة عقب ذيوع قصيدته الشهيرة (مزمار الفقرات)، فأيقنوا من صدق مسعاه وميله إلى هدم التماثيل التقليدية، والماضي الكلاسيكي أو بمعنى أشد وضوحًا كسر ال.. تابوو (Taboo) .

بكل ما تحمله هذه المفردة من دلالات.
دعا ماياكوفسكي في افتتاحيات الجرائد بما نادى به في قصيدته، من ثورة شاملة في المضمون والشكل الفني لتواكب الثورة السياسية؛ غير أن علاقته بالسلطة البيروقراطية السوفيتية ووزير الثقافة آنذاك لونا تشارسكي سرعان ما اتسمت بتوتر متصاعد؛ فرغم حماسه المبدئي للثورة وتوظيف طاقته الإبداعية في صياغة مئات الشعارات، والإعلانات، والمنشورات وقصائد الدعاية والتحريض، واجهت توجهاته الفنية ارتيابًا من الأجهزة الحزبية المتشددة ومنتقديه ذوي الميول الستالينية الذين حاولوا حصر منجزه في أطر ضيقة، وتوجسوا من بعض الآراء التي نادى بها بحماسة بينما كان يطمح عبر تأسيس حلقة جبهة الفنون اليسارية التي عرفت بـ (ليف) عام ١٩٢٣ إلى صياغة فن طليعي يوفق بين جماليات المستقبلية ومتطلبات الواقع الجديد، متأثرًا بأفكار ليون تروتسكي حول الفن، ومواجهًا في الوقت ذاته تهم الشوفينية الروسية، والغموض الفني من قبل المحافظين والمتشددين.
لكن -إجمالًا- يمكن اعتبار أن المأساة الحقيقية والفنية لماياكوفسكي تجلت في استحالة التوفيق التام بين عنصرين متناقضين صهرا حياته، هما المستقبلية التي صنعت تميزه كشاعر طليعي متمرد، والبلشفية التي جعلت منه مناضلًا ملتزمًا بالخط السياسي الصارم؛ إذ اصطدم طموحه الفني بجدار البيروقراطية الثقافية المتصاعدة، وتلقى ضربات نقدية قاسية عقب عرض مسرحيته (الحمام) عام ١٩٣٠ التي قوبلت برفض من الجمهور والنقاد الرسميين، فضلًا عن الأزمات العاطفية المعقدة في حياته.

لقد قادت هذه الظروف مجتمعة الشاعر المفعم بغموض الرفض إلى إنهاء حياته برصاصة واحدة في الرابع عشر من أبريل عام ١٩٣٠، تاركًا وراءه إرثًا شعريًا غزيرًا ونصوصًا متفردة مثل “مزمار الفقرات”، ومسودات ودفاتر جرى الحفاظ عليها بجهود مضنية؛ لإبقاء ذاكرته حية في مواجهة محاولات التهميش والتعميم اللاحقة، ليظل نموذجًا للإنسان الروسي المتحرر من أغلال الجماليات التقليدية، والباحث عن أفق إنساني أرحب عبر طاقة اللفظ المتجددة، كما وثقت السطور الأخيرة من حياته.
وإن أكدت بعض الآراء أن ماياكوفسكي كان صاحب نزعة انتحارية منذ بدايته، واستدل أصحاب ذلك الرأي بأبيات كتبها في أول شبابه:
يتوق القلب إلى طلقة)
والحنجرة تشتهي موسى
والنفس ترتجف بين جدران الجليد
ولن تفلت منه.)
لكن في الأحوال جميعها، فإن انتحاره كان حجة دامغة على تهشم أحلام شاعر حالم على صخرة قولبة وأدلجة الشعراء والأدباء في حقبة زمنية ماضية، لتظل كلماته تعكس علاقته باللغة وتلخص حالة من التعقيد الذي أثبت مدى ولاء الكاتب إلى قناعاته، وإيمانه أن اللغة ما هي غير بوابة للهوية
فيوصي قائلًا:
دمروا هذه المراسيم الجليدية التي تجمد الإلهام
دمروا اللغة العتيقة، غير القادرة على ملاحقة سرعة الحياة
القوا بالكلاسيكين الكبار من باخرة الحداثة
لقد حاربنا طريقة الحياة القديمة الطراز وسنحارب بقايا طريقة الحياة تلك الموجودة في مجتمع اليوم.



