مجدي دعيبس يكتب (نطفة في قلب غسان كنفاني) لزينب السعود وعودة زمن المعجزات

قبل أن نشتبك مع الصفحة الأولى من الرواية ندرك من خلال الإهداء أن الروائيّة ساخطة على الأحياء الصامتين المتفرجين وتنعتهم بالموت، وعلى قدر هذا السخط هي منحازة للذين صعدوا إلى السماء من غزة، وتقول: إذا كان لا بدّ من إهداء.. فليكن لنا نحن الأموات، أما هم.. فإنهم يبنون في الجنة غزة أخرى بلا حصار أو زنّانة.
العنوان
لماذا نطفة في قلب غسان كنفاني؟ لماذا هذا العنوان الذي يدفعك لتقليب الصفحات بحثًا عن قراره؟ النطفة تعني الحياة وربما الخصوبة، ندى جاءت من نطفة مهربة من سجون الاحتلال، هذا الفعل يشتمل على معاني التحدي والمقاومة والامتداد والإصرار على الوجود والتمسك بالأرض، أوراق ندى التي كتبتها في سجن عوفر والتي هربتها من خلال المجندة من ليتوانيا هي النطفة التي زرعتها في قلب زوجها غسان لتستمر الفكرة وتنتقل من جيل إلى آخر، فكرة المقاومة، فكرة الوجود، فكرة التحدي، فكرة رفض الإذعان وقبول الأمر الواقع.
البناء والحبكة وتقنيات السرد
تقوم الرواية على فصلين وساردين، الأول وهو سردية ندى ويتألف من ثلاثة عشر عنوانًا، والثاني سردية زوجها غسان كنفاني ويتكون من عنوانين، وغسان كنفاني بالمناسبة اسم مركب للزوج ولا علاقة له بالروائي الفلسطيني المعروف. يحتل الفصل الثاني عُشر الرواية ويستأثر الفصل الأول بالباقي، أي أننا أمام عمل، الراوية فيه والروائية سيدتان وصوتان مندغمان تشد كل منهما من عضد الأخرى في الأمومة والتضحية والمشاعر الجيّاشة ومكامن الضعف ومواطن القوة.
تقوم حبكة الرواية على فكرة التقابل أو المقابلة: المحتل والمحتل، المقاوم والمذعن، الثابت على الأرض والهارب من مواجهة حتمية، المؤمن بالمعجزات والمشكك بها. ندى ابنة مخيم جنين تقترن بغسان ويعملان معا في منظمة الأونروا لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين في قرية الباذان ثم في رام الله ثم في غزة. هما نموذجان مختلفان في الحب والحياة ومعنى الوطن والمقاومة، هناك مسافة واضحة بينهما ينجح الحب باختصارها في البداية، لكن يتضح لاحقًا موقف كل منهما من الأمور الحقيقية التي تمس حياتهما خاصة بعد وفاة ابنتهما جنين أو ريتا المصابة بالشلل الدماغي، والتي كان تسميتها في الأصل موضعًا للخلاف والجدال بينهما.
أما خط الزمن فقد تلاعبت به الكاتبة بذكاء من خلال الاسترجاع والاستباق، لم تقل كل شي دفعة واحدة حتى تحافظ على جذوة التشويق حاضرة فينا، كما اعتمدت على المونولوج وحديث النفس لكشف شخصية كل من ندى وغسان للقارئ.
الشخصيات
تاليا وصف مختصر للشخصيات الرئيسة وأدوارها في الرواية، وانطلاقا من موضوعة المقابلة سنعرض نموذجين لعائلتين تقدمان أكثر من شريحة في المجتمع وتختصران أحد المفاصل المهمة التي شُغلت بها الرواية:
عائلة ندى أبو دقة:
الأب: رامز أبو دقّة المناضل والأسير الفلسطيني في سجون الاحتلال، يستشهد في السجن بسبب الإهمال الطبي.
الأم: تهرّب نطفة من زوجها في السجن وتتوارى عن الأنظار بعيدًا عن الجواسيس والمتخابرين مع الاحتلال لتنجب ابنتهما ندى.
ندى: تؤمن بحقها وبحق كل الفلسطينيين في هذه الأرض لذلك ترفض أن تغادرها مهما كانت الظروف. تعمل في الأونروا إلى جانب زوجها غسان الذي يسّر توظيفها بعد أن وقع في غرامها. سرقوا كليتها خلال التوقيف الإداري في سجن عوفر.
عائلة غسان كنفاني منذر الشيخ يونس:
الأب: شيوعي، لا يؤمن بالمواجهة والمقاومة سبيلًا لاسترجاع الأرض. يقول غسان عن أبيه: «اسمي الذي لم أعرف مسوغًا واحدًا يجعل والدي يفكر فيه سوى رغبته المفرطة في إظهار نفسه أمام الحزب شخصية وطنية عميقة وثائرة، فلا شيء أسهل من بطولة جاهزة نتسلقها، ونعتلي صهوة جوادها حتى لو كنّا أقزامًا لا تطال أيدينا الزمام».
الأم: كندية من أصول يهودية، عندما انفصلت عن والد غسان كان الطفل بعمر الثانية عشرة، قالت له في لقائهما الأخير: «سأتزوج وأسافر مع زوجي، كل ما أستطيع تقديمه لك هو جنسيتي الكندية، ستكون سلاحًا بيدك».
غسان كنفاني: لديه عقدة الأم اليهودية، يرى المقاومة فعلًا عبثيًّا، ترك زوجته ندى في غزة بعد السابع من أُكتوبر، وخرج مع ابنه هاشم.
باقي الشخصيات حضورها متفاوت من حيث الحجم والوزن من سارة الممرضة في مستشفى الشفاء وأخيها خلدون السائق في الأونروا، وأبي وسيم من حي الياسمينة في نابلس وفاطمة وخديجة والطفلة نور والمجندة أنجيليكا وغيرهم الكثير، لكن الشخصية التي خدمت فكرة التقابل التي أشرنا إليها في مستوى مختلف هذه المرة هي فرانسيس المتطوعة الأمريكية لدى منظمات الأمم المتحدة العاملة في غزة. خلال حوارتهما نرى وجهة نظر ندى في الصراع قديمًا وحديثًا، ونرى ردة فعل فرانسيس كمواطنة غربيّة تعمل في الأمم المتحدة بعد أن فقدت زوجها الشاب في العراق.
اللغة والعبارات التأملية
حافظت اللغة على نسق من المتانة والرقة كما تناثرت بعض المفردات العامية على وجه السرد من باب تمليح الكلام وتقريبه من القارئ الذي سيتعرف على الجغرافيا والتاريخ بلا شك لكن اللغة الصارمة الملتزمة بخطها الفصيح بعيدة إلى حد ما عن العامية في الحوار التي ستسبب الكثير من المزالق لو تحوّل هذا الخيار إلى البديل بسبب اختلاف اللهجات في الأماكن التي احتضنت أحداث الرواية. ومن العبارات التي وجدتها تستحق التأمل قول غسان: «على المرأة ألا تكون كاملة، وإلا فإن الرجل لن يجد متعة في أي شيء يقدمه لها». وهذا من الذكورية الناعمة التي تركز على متعة الرجل على حساب المرأة ككائن متفوق.
المكان والجغرافيا
وعن المكان فقد وجدته من المواطن التي تدعم صدقية الرواية سواء في غزة وحي الرمال وشارع صلاح الدين أو في الباذان وحي الياسمينة في نابلس. الرواية بلا مكان لن تصمد طويلًا أمام القارئ الذي سيظل يبحث عن اسم المدينة وملامح الحي والمقاعد الخشبية على الأرصفة والساحات العامة والميادين والمتنزهات، القارئ يريد أن يشعر بكل هذه المفردات وأن يتآلف معها حتى يتماهى مع السرد ويندمج فيه.
المعجزات في السرد الواقعي
في كثير من الأحيان يلجأ الكاتب إلى السرد العجائبي أو الغرائبي أو الفانتازيا أو الواقعية السحرية للتعبير عن فكرة تلحّ عليه ولا تتلائم مع السرد الواقعي الذي يظلّ أمينًا إلى منطق خاص به، ومن ناحية أخرى فإنّ الوقائع التي أشار إليها النص ليست معجزة بالمعنى الدقيق للكلمة فالموتى لم يقوموا من قبورهم ولا العميان أبصروا ولا البرصان برئوا من علّتهم لكن ما حدث قياسًا إلى مسار الأحداث كان مصادفة خشنة إلى حدّ ما إلى الدرجة التي اعتبرتها شخصيات الرواية من باب المعجزات؛ فالمعبر المغلق من وقت طويل بين قرية الباذان ونابلس، والمحروس بقناص يطلق النار على كل من يقترب إلى مسافة محددة من المعبر، يفتح قبل بضع ساعات من ولادة ندى ويغلق بعد الولادة بساعتين أو ثلاثة.
والحادثة الثانية التي بدت على وشك الحدوث ولم نتبين ذلك من عدمه هو خروج ندى من السجن. وهنا نرى أن الحادثتين تشيران إلى مدى المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون على المعابر والظلم والتعسف في التوقيفات الإدارية بدون إسناد أي تهمة ولأجل غير مسمّى.
لكن السؤال الذي يجب أن نتعرض له الآن هو التالي: لماذا كل هذه المعجزات في حكاية واحدة مع أننا نشهد مئات الحكايات كل يوم ولا تسعف أصحابها معجزة واحدة للنجاة من مصيرهم القاسي؟ هل لأن الفلسطينيين مظلومين وأن أرضهم سرقت منهم؟ أقول إنّ الظلم في كل مكان منذ البشرية الأولى التي قتل فيها الأخ أخاه. هل هذا لأن فلسطين أرض الأنبياء وأرض المعجزات التي قام بها المسيح؟ ولكن لماذا هذه الحكاية بالذات؟ أقول ببساطة لأن ندى رفضت الاستسلام للواقع الصعب وظلت شعلة المقاومة مضطرمة في داخلها على الرغم من الخيارات الأخرى السهلة والممكنة، ظلت مقتنعة أنّ هذه الجغرافيا جغرافيتها من البحر إلى النهر لذلك استحقت كل هذه المعجزات. على مدار مئتين وعشرين صفحة من القطع المتوسط ظلّت تكرّر هذه المفردة (الجغرافيا) لتعلن رفضها لـ (أ،ب،ج) ولكل التسويات وكل التصنيفات التي تنكر حق الإنسان بالحريّة والأحلام والعيش بكرامة إلى الدرجة التي وجدتني فيها مستغربًا إذا قلّبتُ عدة صفحات ولم ترد كلمة الجغرافيا.
هل هناك جزء ثان للرواية؟
«عاهدت نفسي وكل من سيقرأ حكايتنا أنني لن أفلت يدها مرة أخرى مهما حصل حتى لو أصرّت على الانفصال، وحتى لو سرقوا جزءًا من جسدها، سأبقى دائمًا أعيش على أمل أن المعجزات ما زالت تحدث»، بهذه الفقرة تنتهي الرواية على لسان غسان كنفاني. هل هناك جزء ثان؟ لا أعرف، على الرغم من النهاية التي تركت الباب مواربًا على أكثر من احتمال لكن بالنسبة لي وربما لقرّاء كثر الأمور واضحة، هذا من جهة ومن جهة أخرى لم لا نترك مساحة كافية للمتلقي ليتحرك فيها بحرية بحسب شخصيته ومشاعره ومدى اندماجه في العمل وفهمه لشخصية ندى؛ الحالم سيقول إنّ الطلاق لن يتم على عكس الواقعي المقتنع بحتمية هذه النهاية، المتفائل سيقول إنها نجحت بالخروج من السجن وإنها ستربي هاشم على المبادئ الوطنيّة المقتنعة بها ليكمل مشوار أمه وجده، والمتشائم يشكّك بقدرة القانون والقضاء على الانتصار على العنجهية الصهيونية، ولكن في النهاية ما يعلق في ذاكرتنا هي الرواية كما نراها نحن القراء أو كما نحب أن نراها ونشعر بها وليس كما قرأنا في صفحاتها وسطورها.





