سليم النجار يكتب رواية “حين ينطق الصمت” للكاتبة آلاء بركات
(الصمت خارج النافذة)

سليم النجار
رواية **”حين ينطق الصمت”** تنطلق من مفردة الصمت، التي شكّلت بنية الرواية؛ فالفكرة، أو المعنى والمدلول، قسيم الصورة الصوتية، أو الدال، واتحادهما يكون علامة. وهما متحدان ومختلفان في الوقت نفسه: *(بعد دقائق من الانفجار الصامت، ظلّ في الغرفة شيء معلّق، كأن الهواء صار ثقيلًا. ص22).*
فالعنصران من طبيعة اجتماعية، والدال صورة تتكون من سرد صوتي. ويمكن قراءة الصورة الاجتماعية للسرد عند ملاحظة أن هذه الصورة تقترب من الواقع، بينما يلعب الخيال دور الوسيط: *(لم يكن الصمت بينهما فراغًا، بل امتلاءً بما لا يُقال. ص12).*
كما أن مفردة الصمت في الرواية لا تقل تجريدًا عن الصورة الروائية الدالة؛ إذ تتكون هذه الصورة الدالة على مفردة الصمت من الاختلاف، والتشابه، والمقارنة، وتوظيف هذه الرؤى يؤدي إلى مفهوم واحد، هو أن الصمت في السرد كاشف لما تذهب إليه الروائية بركات: *(ظلّ الصمت وحده مستيقظًا. ص49).*

إن الاختلافات والمقارنات تحمل معنى وقيمة لكل دال وعلامة؛ فكلمة الصمت لا تتحد إلا بصورة أرادت الكاتبة تصويرها لفكرة ما، تختلف عن الأفكار المتنوعة داخل النص الروائي، بمعنى أن لكل فكرة دالًا خاصًا بها: *(بل شاهد على معركة خفية خاضها جسدها في صمت طويل. ص60).*
وليست مفردة الصمت في نص بركات دالة صوتية فقط، بل دالة تصويرية تأخذ من الواقع المعاش للشخصيات الروائية وجهة نظر تختلف حسب الموقف، وليس بالضرورة أن تكون وجهة النظر أزلية، بمعنى أنها لا تتغير كأيقونة، بل تتشكل حسب الظرف والمكان والزمان، أي إن رؤيتها تتحدد حسب الحدث: *(مرت أمامها امرأة منحنية، تحمل ملفًا بلا أوراق… كأنها جاءت لتحاكم الصمت. ص64).*
إن صفة السؤال بين الدال والمدلول علامة فارقة، ليست صفة عارضة أو ثانوية، بل تأخذ صورة السؤال للفرد الذي يعيش ضمن المجتمع، المكوَّن من تاريخ مكتوب وشفاهي، وإن كان التاريخ الشفهي هو الأكثر معيارًا لقراءة قيم المجتمع: *(النهار: عملٌ بصمت. ص67).*
فالدال، بهذا المعنى، في الرواية متحرك، أما الفكرة فهي ثابتة، لا تتحرك إلا بمقدار المعنى، بمفهوم أن التغيير يحصل بناءً على البنية السردية لمفردة الصمت: *(وصمتًا يشبه النسيم بعد العاصفة. ص77).*
العلامة في الرواية ليست صدفة، بل وُضعت في بنية السرد كدالة للحدث، مرتبطة بمعنى تسعى الشخصية الروائية إلى إيصال فكرة بعينها، وهذا لا يعني، بحال من الأحوال، أن تكون الشخصية منعزلة عن باقي الشخصيات في الرواية: *(كانت المائدة عامرة بالكلام الصامت… ص92).*
هناك سؤال شائك وصعب:
كيف يمكن القول، في هذه القراءة النقدية، إن مفردة الصمت، بتلويناتها المنطقية…؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال، لا بد من التأكيد أن مفهوم المنطق لا يخضع لمعيار محدد، بل يخضع لقدرة الكاتب أو الكاتبة على تصويغ هذا المنطق حسب ما تسعى آلاء بركات إلى توظيفه: *(لن تكون شاهدةً صامتة… ولن تزرع في ابنتيها خوفًا باسم الفضل، ولا قيدًا باسم الجنة. ص96).*
هذه الإجابة تحمل في طياتها مقومات خاصة بالروائية، بمعنى دورها في رسم الشخصيات التي تعيش في نصها، حسب مفهوم خاص بالمنطق الذي تسعى إلى تكريسه في الرواية، وتحمل أكثر من وجهة نظر من باب الظرف الموضوعي؛ فالرواية، في نهاية الأمر، معيار موضوعي يعتمد على سياق يتأتى من منظومة الدال، التي تتشكل من تركيب يجمع بين الاختلاف والتطابق: *(لم يُكمل… بقي الصمت واقفًا مكان الجملة. ص108).*
والأمر اللافت في هذا السياق هو فكرة التبادل بين أفكار الشخصيات في الرواية؛ ففي جلها أفكار إيحائية فكرية تتجلى في صور لعلاقات وظيفية للمعاني: *(كان الصمت وحده هو من يتكلم، لكن هذه المرة كان صوتها فيها. ص137).*
ولتوضيح الفروق بين الصورة وفكرة الإيحائية، يتعلق الأمر بتداعي الأفكار التي تأتي ضمن نظام منسق؛ فالصمت يلعب دور لعبة الشطرنج، فكل حركة محسوبة ضمن رؤية كاملة وشاملة، وقطع الشطرنج لا تُترك حركتها للصدفة، بل لموقف واضح يؤدي، في نهاية المطاف، إلى الهدف المنشود:
*(هناك صمت… وصمت يقتلك.
والفارق؟ قرار واحد… أن تختاري ذاتك.
تريث… والصمت بعدها لم يكن توقفًا. ص149).*
وكما يقوم سرد آلاء بركات في رواية **”حين ينطق الصمت”** على فكرة تتجدد حسب أحداث السرد التبادلية، فهي فكرة تتجاوز الجمود إلى أفكار متحركة داخل الرواية، وحتى الحركة في بنيتها لا تخضع للجمود: *(لا يُدوَّن فيه سطر واحد من الصمت. ص169).*
كانت مفردة الصمت، سواء في الواقع أو في الرواية، تتحدث أكثر من الكلام المسموع أو الإيحائي؛ فهو صمت يرسم شخصية الإنسان. فجاء عنوان الرواية **”حين ينطق الصمت”** عنوانًا متكلمًا، يشي بحركة دؤوبة لا تتوقف عند حدٍّ معين، بقدر ما يكون الصمت البوابة المشرعة لنص آخر.





