ساحة الإبداع

امرأة لا تطل من النافذة : قصة سهير شكري

 

امرأة لا تطل من النافذة



 امرأة لا تطل من النافذة : قصة سهير شكري

اليوم مطير بغزارة ستائرى أصابها الاختناق والملل فبدت كعجوز أصابها الوهن والإرهاق من طول وقوفها مصلوبة خلف نافذتى المغلقة مضى عليها زمن وهى تشتاق لنسمة هواء , فأنا لم أفتح نافذتى منذ سنوات ولا أطل منها

اليوم فتحت نافذتى وأنا مختبئة خلف ضلفتها وجلة خائفة لأشم رائحة المطر كما تعودت سابقا

اجتاح الهواء حجرتى فرفرفت ستائرى  كعصفور سجين فرح بالحرية  بعد سجنه الطويل ….لكن الصقيع سرى   فى جسدى وارتعدت  أطرافى والتهمنى الخوف

بدلا من أشم رائحة المطر عصفت بى رائحة عطر مثير فتحركت ذاكرتى وحلت علىّ ذكرى بعينها كضيفة ثقيلة قاسية

طالما رفضت استقبالها محاولة أن أضعها فى صندوق النسيان وطريق الامبالاة وامتطيت صهوة جواد المكابرة فطوقت نوافذى بسياج من حديد خوفا من شخص ما يقفز منها

 

 وإلى الآن أخشى أن يمسك أحدهم القضبان ويضرب ببصره إلى داخل بيتى ويكتشف أنني وحيدة ليس معى إلا ذكريات فأغلقتها ولم أعد أطل منها

أو أن يقذفنى أحد الصبية فى الشارع بالحجارة والحصى , فطالما سمعتهم وهم يتصايحون مدعين أن بيتى لا يسكنه أحد من الإنس بل يسكنه الجن والعفاريت .

فأنا أسكن فى الطابق الأول لكنه مرتفع  عن الشارع فأسفله بدروم

مازالت رائحة العطر تغزو أنفى , تأسرنى وتشدنى إلى تتبع واقتفاء أثره حتى رأيته بعد أن تعدى بنايتى ببضع خطوات متخطيا أكوام الرمل والزلط أمام البناية الجديدة الشاهقة

التى مازالت تحت التشطيب والتي لا أعرف متى أقيمت

مع أنى كنت أنظر إليه من الخلف إلا أننى فى اللحظة التى نظرته فيها استدار فجأة وصوب تجاهى نظرة طويلة ثاقبة

ثم انصرف مسرعا وتركنى فى حيرة من أمره

متى عاد , وكيف ولماذا لم يأت عندى ؟

وهل هو مقيم فى نفس الشارع ؟

أم جاء لزيارة أحد أصدقائه ؟

ومن هم أصدقاؤه وأين يسكنون ؟

لم يخطر ببالى أن أراه ثانية , .ترى إلى أين يتوجه فى ذلك الوقت المتأخر والجو المطير  ؟ راقبته بكل شغف واهتمام , يسير مشدود القامة  مرفوع الرأس فى شموخ فهوشاب يظن من لا يعرفه  أنه طاعن فى السن .لشعره الأبيض وملامحه التى كثرت بها خطوط الألم والمعاناة.

يرتدى بنطلونا أزرق وقميص أبيض , وبلوفر رمادى وحول رقبته كوفية حمراء

عبر الشارع سريعا ….وقف على محطة الترام أمامى ,  الضوء خافت  ألقى بظلاله على وجهه وأنا مازلت أتتبعه بكل جوانحى خشية أن يتوه عن ناظرى وسط الزحام ,. الناس تتكدس تحت المظلة اتقاءً للمطر ,لكنه مازال تحت ناظرى . وقفت قلقة .

هل سأتركه يركب الترام ويغيب عنى مرة أخرى ؟

وربما يغيب للأبد

هل ألحق به وأسأله عن سبب غيابه؟

وإذا لحقت به واكتشفت أنه ليس هو وأنه مجرد شبيه

ماذا سيكون الحال ؟

ربما يظننى مدعية أو إمرأة  خرجت تتصيد رجلا.َ

وصل الترام  فضاع منى وجهه…حزنت …أسفت ..ندمت أنى لم ألحق به

بعد أن استأنف الترام رحلته وغادر المحطة  شاهدته

عائداوبصحبته  امرأة بيضاء جميلة طويلة ممشوقة شعرها بنى مسترسل ترتدى معطفا قصيرا من الصوف الأحمر  وتنتعل حذاءا أسود طويل يصل إلى أسفل الركبه وتعلق فى

ذراعها حقيبة سوداء , يلف ذراعه حول وسطها وهى تلقى برأسها فوق صدره  مشغول بها و مفتون . لذلك لم يلق بالا لى ولم ينظرتجاهى.

 . شعرت بالغيرة , وتسلل إلى شعور بالحزن الدفين

لآ أدرى كنهه

لذا ظللت واقفة خلف النافذة متتبعة خطواتهما حتى دخلآ إلى البناية الجديدة . رأيت الإضاءة تنبعث من الطابق  الأول فعرفت أين يقطنا

أصابنى الضجر . ثم السهاد ومكثت بضع دقائق واجمة ساهمة خلف النافذة ثم أقفلتها عائدة إلى غرفة نومى  .

مازال عطره عالقا بأنفى أستنشقه بنشوة وسعادة .

لكن هذه المرأة التى عاد بصحبتها تقلقنى وتؤرقنى

من ياترى هذه المرأة التى يوليها كل هذا الاهتمام ؟

هل سأتركه لها هكذا طائعة مختارة ؟

لقد كان كل شىء فى حياتى لسنوات طويلة

لماذا رحل عنى ولماذا عاد ؟

ومن أنا بالنسبه له الآن بعد أن انتظرته طيلة هذه السنوات ؟

تنفست دموعى , تأكلنى الغيرة  . وأنا أحدث نفسى لماذا كل هذه الحيرة ؟

المسافة بينى وبينه قصيرة فلماذا لا أعبر الشارع وأطرق بابه وأواجهه وأسأله بكل جرأة

ماذا حدث ؟ ولماذا رحل عنى باكرا ؟

ومن هذه المرأة  التى تلقى برأسها على صدره ؟

سأبكى  بين ذراعيه وأشكو له عذابى فى بعاده وكيف تاهت روحى , وبهتت ضحكتى , واختلطت الفصول , ورحلت الألوان  فهو وحده  القادر على تلوين حياتى وإدخال البهجة إلى جوانحي

مازلت أقتفى أثر عطره حتى وجدت نفسى أنزل درجات السلم الحلزونى المؤدى الى البدروم وقد غطاه التراب تماما. و أسيرحتى وصلت إلى القاعة الكبيرة التى غمرها التراب 

وجدت أشياء مكدسة ومهملة يعلوها التراب , علب ألوان , فرش متعدده الأرقام  ومكتبه كبيرة بها كتب عن الفن التشكيلى وبعض الروايات لكتاب عرب وأجانب ودواوين لشعر محمود درويش وصلاح جاهين وكثيرمن شعراء العامية  والفصحى  , جرادل سكاكين , زجاجات فارغة وأخرى مملوءة

وأنا أفتش عن  رواية أكلة الذئب للكاتب شاكر النابلسى   التى تركها فى المرسم أثناء رسمه إحدى لوحاته ليكمل قراءتها   الرواية  تحكى قصة رسام كريكاتيريقال عنه (قاضى تحقيق ,عينه الفقراء والمشردون  نيابة عنهم ) وإذ بى أسمع استغاثة واهنة هرعت أتقافز على السلم

وأنا جزعة  وجدته ملقا على الأرض تفحصته .  لكنى للأسف اكتشفت أنه قد مات , صرخت كالمجنونة وهرعت أنظر من النافذة يمينا ويسارا

تركته فى كامل نشاطه وصحته فماذا حدث ؟ اتجهت كل شكوكى للنافذة المفتوحة لابد أن أحدهم قفزمنها وقتله غدرا وانتقاما , فقدسبق وهددوه لرسومه الساخرة اللاذعة التي تفضح فسادهم ومتاجرتهم بقضية الوطن

لكن مما أثار شكوكى أن القاضى حفظ التحقيق وقيد القضية  ضد مجهول  كيف والعالم كله يعرف التهديدات التى كانت تلاحقه  وأنا بالطبع لم أصدقه  , بداخلى اعتقاد راسخ أن القاضى يتبعهم   

فهل يعقل ما حدث فى خلال دقائق تركته فيها لأحضر له الرواية من مكتبة المرسم

كان فى قمة سعادته ونشاطه لم يسبق له أن اشتكى من أى مرض أو ألم

صرخت وبكيت وأقسمت ألا أستسلم لهؤلاء الطغاه القتلة سأتوجه للنائب العام وأبلغه بشكوكى فى إحدى المنظمات التى أنذرته بالقتل وأطلب  فتح التحقيق فى القضية  من قبل هيئة أخرى  .وسأفتح نوافذى وأطرد مخاوفى

فتحت دولابى لأرتدى ملابسى لكن ما أثار دهشتى أنى وجدت المعطف الصوف الأحمر  القصير معلقا فى دولابى

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى