أخبار عاجلةأراء حرةالرئيسية

الجواهري: آخر الفحول وصوت الثورة الشعرية: بعماد خالد رحمة _ برلين.

الجواهري: آخر الفحول وصوت الثورة الشعرية:
بقلم : عماد خالد رحمة _ برلين.

تجربة الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري ما تزال – بعد أكثر من قرن على ميلاده – علامة فارقة في تاريخ الشعر العربي الحديث، بل يمكن القول إنها تجربة استثنائية تخرج من أسر التصنيفات الجيلية وتتفلت من معايير “التجييل العقدي”، فهي لا تُقاس بمرحلة ولا تُختزل في سياق زمني ضيق، وإنما تستمر حاضرةً في الذاكرة الأدبية والسياسية العربية بثرائها وعمقها.
لقد أجمع النقاد على فرادة الجواهري، غير أن تباينهم في تقدير أبعاده الشعرية يكشف عن صعوبة الإحاطة بظاهرة بهذا الحجم. فجبرا إبراهيم جبرا لم يتردد في وصفه بـ “آخر الفحول”، في إشارة إلى انتمائه إلى تراث العربية العريق وقدرته على بعث روح القدماء في قالب جديد. بينما اختار بعض النقاد الصمت أو التجاهل، إما لأن الجواهري خرج عن السياقات المألوفة، أو لأن شعره أربك التصنيفات الأدبية التي اعتمدتها النظريات الحديثة.

_ الشعر بين العراقة والجِدّة:
لم يكن الجواهري مجرّد شاعر إحيائي يستعيد صور الأجداد أو يكرر قوالب القصيدة العمودية؛ بل كان حريصاً على أن يمزج بين الجدة والعراقة. فهو يقرأ دواوين الفحول القدامى لا ليتماهى معهم فحسب، بل ليستلهم دماءهم الفكرية وروحهم الثائرة. لذلك جاءت قصيدته امتداداً للقصيدة الكلاسيكية ولكنها في الوقت نفسه مشروع إحياء جديد، يهبها حياة من خلال انغماسها في قضايا الواقع العراقي والعربي.
لقد نزل الجواهري بالقصيدة إلى أرض الشارع، لتصبح صوتاً سياسياً واجتماعياً يلهب الجماهير ويحرّك العقول. هنا يكمن سرّ خلودها؛ فهي قصيدة لا تُقرأ في برج عاجي بل تُتلى في الساحات والميادين، تجمع بين المثقف البعيد والإنسان العادي، بين المحافظ والمتنور.
_ الشعر كفعل ثوري:

الجواهري لم يكن شاعر زخرف لفظي أو متعة جمالية وحسب، بل كان شاعر ثورة ورفض. فقصيدته تتحرك بين نقد آفات المجتمع من فقر وجهل وفساد، وبين إدانة حكامٍ وصفهم بـ “لصوص العهد المباد”. ومن خلال هذا البعد الثوري صارت قصيدته رحلة دائمة إلى المستقبل، إذ جعل الشعر سلاحاً ضد الاستبداد، وصوتاً للحق، وحافزاً للتغيير. ولعل ذلك ما يفسر أن شعره لم يهرم، بل ظلّ محتفظاً بشبابه وطاقته التحريضية حتى اليوم.
_ أثره في مجايليه واللاحقين:

لم يكن غريباً أن يشعر شعراء جيله ومن بعده بأن تجربة الجواهري تكاد تكون مكتملة، وأنّ قصيدته السياسية والاجتماعية قد رسمت الطريق بوضوح. لذلك اتخذ كثيرون من شعره ظلًا لهم، يقلدون طريقته في التناول السياسي والاجتماعي، وكأنهم يدركون أن هذا اللون من الشعر قد بلغ ذروته في صوت الجواهري.
_ بين الشعر والطب النفسي:

جدير بالذكر أن بعض الأطباء النفسيين والباحثين في سيكولوجيا الإبداع توقفوا عند شعر الجواهري، معتبرين إياه تنفيساً وجودياً عن الأنا الجمعية العراقية والعربية. فقصائده – بما فيها من حدّة وتمرّد – تمثل صرخة جماعية تتجاوز حدود الفرد الشاعر إلى فضاء الأمة بأكملها. وهذا ما يجعلها محمّلة بجرعة عالية من الانفعال الانفعالي، الذي رأى فيه بعض الأطباء “طاقة علاجية” للمتلقي، إذ يتماهى مع النص ويجد فيه متنفساً لغضبه وآلامه.
_ خاتمة:
إن تجربة محمد مهدي الجواهري هي تجربة فوق نقدية بامتياز؛ لأنها تجاوزت حدود التوصيف والتحليل التقليدي، لتصير ظاهرة إنسانية وشعرية وفكرية في آن واحد. لقد جمع بين أصالة الفحول القدامى وحداثة الهم الثوري، فجاء شعره كائناً حياً لا يموت بتقادم الزمن، بل يتجدد في كل جيل كما لو كان صدىً خالداً لصوت الحرية والكرامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى