“والكرك ساس على ساس” لميساء حدادين.. الموروث الشعبي جسر تواصل بين الأجيال

عمّان- متابعة أوبرا مصر
تستعيد ميساء حدادين في كتابها “والكرك ساس على ساس (كرك الهّية)” كمًّا كبيرًا من الأهازيج التراثية الأردنية بشكل عام، وتفرد مساحة خاصة من بينها للأهازيج الخاصة بمدينة الكرك وأهلها ، وهي المدينة التي تنتمي إليها االكاتبة والتي عاشت فيها منذ نعومة اظفارها ولا زالت.
يمثل هذا العمل محاولة جادة لتوثيق الموروث الشعبي الكركي وتعزيز الهوية الثقافية والوطنية من خلال ربط الماضي بالحاضر، واستحضار الرموز والمواقف التي صنعت مجد الكرك، فجاء بنكهة كركية أردنية، يمزج بين السردية و الشعر والاهازيج الشعبية حيث يستعرض الموروث الشعبي الغنائي الكركي ودلالاته الاجتماعية والوطنية، ويبرز دور الكرك وأبنائها في مقاومة الظلم عبر التاريخ ووقوفهم في وجه المحتل العثماني، ليعيد إحياء ثورة الكرك المجيدة ثورة (الهَيّة) عام 1910 حيث كانت من اوائل الثورات الوطنية التحررية التي قدم من خلالها ابناء الكرك دمائهم الزكية طلبا للحرية، وكانت تلك الثورة بمثابة الشرارة الاولى للثورة العربية الكبرى التي فجرها الشريف الحسين بن علي فيما بعد عام 1916.
وجاء الكتاب الصادر عن “الآن ناشرون وموزعون” في الأردن في 132 صفحة من القطع المتوسط، وهو ينهل من التاريخ الشفوي والذاكرة بهدف إنقاذهما من المحو والنسيان، وارتبط فيه كثير من الأهازيج بالأحداث التاريخية المفصلية التي أثرت في تاريخ الكرك والأردن والمنطقة بشكل عام.
حيالله الكرك
حيالله من وطى ترابها
حيالله ماضٍ مجيدٍ
حيالله فعال رجالِها
حيالله زِلم الهيّة
والنعم حيالله الكركية
رجالٍ ما يرضون لا ذلٍ ولا دِنيّة
رجالٍ ما يهابون لا موتٍ ولا منيّة
بواريدهم يوم الوغى رجّادة
ونيرانهم في الجو شاعلة وقّادة
وع الموت جحافل سباع ورّادة
حيهم الكركية..
وياتي هذا الكتاب الثالث ضمن سلسلة الحفظ والتوثيق للموروث الشعبي الكركي الذي بدات بها الكاتبة امتثالا لرغبة والدتها رحمها الله “سيدة في ذاكرة الكرك” (الداية اسمى جدة العيال) التي كانت بمثابة ملهمة ومعلمة وعرابة لابنتها لما تمتاز به من فصاحة قلبِ وبلاغة قول ولسان في الترديد والارتجال من الموروث الكركي الجميل.
وتؤكد الكاتبة ميساء حدادين أن احساسها بالولاء والانتماء والواجب لجميلتيها الاثنتين (كما تصفهما الكاتبة) :امي والكرك دفعها لتخصيص الإهداء لهما في جميع الكتب الصادرة ضمن السلسلة التوثيقية للموروث الشعبي الكركي
سأنكث بكلِّ عهود البدايات في الكتب
سأكتب لهنَّ إهداءً باستثناء
فلهنَّ وبهنَّ يليق الاستثناء
فماذا عساي أقول في حضرة جميلَتيَّ الشامختين
أمي وكرك المجد والتاريخ
أمي.. معلِّمتي وعرّابتي
والكرك.. معشوقة أمي
فعذرًا أحبَّتي
وترى حدادين أن الحفاظ على هذا النوع من الفنون هو حفظ للهوية اللغوية والثقافية، وتعبير عن جوانب الحياة اليومية، كما إنه يسهم في نقل التراث من جيل إلى جيل، ويعزز أواصر التواصل بين فئات المجتمع وأفراده، لا سيما في مناسباته الاجتماعية بأشكالها كافة.
وتُنبّه المؤلفة إلى تأثير الموروث الشعبي في الأدب بالقول إن: “الموروث الشعبي الأدبي معجم ثري ومصدر إلهام للكثير من الأدباء الشعراء، فعمد العديد منهم إلى استثمار تراثهم الشعبي في إبداعاتهم الأدبية من خلال الاستعادة أو الاستلهام أو التناص مع التراث؛ لإضفاء الطابع المحلي والأصالة التاريخية على نصوصهم الأدبية، ممّا يعكس ثراء هذا التراث وأهميته في تشكيل الهوية الثقافية لكل أمة وشعب”.
ومن الجدير ذكره أن ميساء حدادين حاصلة على درجة الماجستير في الهندسة الزراعية، وهي عضو اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين، وصدر لها قبل هذا العمل كتابان: “سيدة في ذاكرة الكرك”، و”من جميل الموروث الشعبي الكركي”.