أخبار عاجلةالرئيسيةساحة الإبداع

سيد غلاب يكتب أفكار

قصة قصيرة

 

في ليلة عاصفة شديدة الظلمة والكآبة أحاط بي النقاد من كل جانب كما أحاطت أسماك القرش بقارب الصياد العجوز سانتياجو، حينها شعرت أنني على استعداد للتنازل عن حياتي مقابل سيجارة “من يشتري حياة كاتب بائس بسيجارة، من يشتري كل أعمالي وكتبي بسيجارة.” أريد أن أخلق غيمة دخان أختفي وراءها وأستر فشلي وقلة حيلتي، أريد أن أحرق أحلامي قبل أن تصير أوهامًا، ومع رمادها أسقط أمانيَّ واحدة تلو أخرى بعدما جفت كالورة الذابلة في زهرية عاشق لم يعد يكترث لها بعدما فشل في حبه الأول، واليوم للأسف ازداد طابور الحمقى واحدًا، أنا الذي كانت كلماته تتنزع آهات الزملاء والرفاق، كنت أديب الندوات ونجمها الأوحد، الآن بعد أن هجرتني الأفكار الطازجة، تجمع حثالة الندوات حول كلماتي التي تقطر حبرًا، آهٍ لو تعلمون كم غذيت هذه الضحية من دمي ولحمي، وأتيت كي أقدمها لكم كي تأكلوا لحمها وتشربوا دمها، كي تتطهروا وتظهروا أمام الحضور بأنكم سدنة الإبداع وحراسه، وللأسف لم يكن لدي ما يشفع لي أمام الميزان، فطارت ريشة ماعت، وساقني إلى الجحيم مجموعة من الحمقى.
لقد مزقوا الضحية الراقدة أمامهم في سكون، عروها من كل شيء، حتى من الورق الذي تتكفن به، قال أحدهم: إنها لا تستحق حتى ثمنه. تقليدية جدًا. قالها آخر، وهو يعدل وضع النظارة على عينيه، القالب نفسه لا يتغير. قالها ثالث بتأفف، وامتعض الرابع، واستهزأ الخامس، وضحك الحضور.
أفكار … أريد أفكارًا، قلتها بصوت عالٍ خرج دون إرادة مني، أجابتني إحداهن:
نعم، تقصدني.
استهزأ اليأس داخلي، فقد وصلت إلى حافة الهاوية، ولم ينالني من الإبداع سوى الجنون، وبدأ صوت هلاوسي يتجسد أمامي، لا بد أن الوهم يصنع المعجزات، هممت بالمغادرة، وإذا بيد على كتفي توقفني:
لقد ناديت علي، وأجبتك، وتتجاهلني وتريد أن تنصرف هكذا…
– دعيني فليلتي لا تحتمل مزيدًا من السخافات.
– من منا السخيف؟!
– أنا لم أناديكِ، قلت أريد أفكارًا.
– ثانية، أنا أفكار.
– أية أفكار، لا بد أنك أفكار شيطانية.
– لأ اسمي أفكار، أفكار فقط، لا علاقة لي بالشيطان.
جلستْ وأجلستني، أخرجتْ ما كنت أحلم به طوال هذه الليلة الكئيبة، أخيرًا ولأول مرة في حياتي أنال شيئًا أريده، لا أدري كم سيجارة أحرقنا قبل أن نغادر، وبعد أن لفظت شفتانا آخر سيجارتين، ظلتا في عناق حار حتى الصباح، نصر زائف أعرف هذا، ولا أريد تعليقًا من أي كان، فالنصر حتى لو كان زائفًا يخرجك من حالة الإشفاق على النفس، أقنعت نفسي أن هذه المغامرة أتت كي تنسيني بلذتها المرارة والشعور بالانهزام.
أربعينية هي، لكنها غضة طرية طازجة كإشراقات الصبح الأولى، مائلة للقصر ممتلئة الصدر، وكأنها تردد مع ماريا في قصيدة أمل: صدري جنتك الموعودة وذراعاي وساد الرب. كانت تجربتي الأولى، ولم أكن الأول بالنسبة إليها، ولكن كم كاتبًا مر على هذا السرير؟ هي الوحيدة التي تعلم ذلك. بعد انتهاء القتال، استلقيت بجوارها مستسلمًا ورحت في سبات عميق.
هزتني بعنف، استيقظت، وقبل أن أنتبه انتباهة كاملة، ألقت ملابسي بعنف على وجهي وطلبت أن نفترق:
– أهناك زوج ينتظرك؟
– أنا لست ملكا لأحد.
– لِم ماذا فعلت؟!
– فعلت أم لم تفعل ليس شأني.
– لكننا لم نكمل التعارف!
– تنام معي ليلة كاملة، ولا زلت لا تعرفني، والله إنك بائس.
– آسف، لقد رحت في سبات عميق، أعتذر مرة أخرى، ولكن ذكريني باسمك.
– كمان نسيت اسمي، اسمي أفكار.
– والله ليلة أمس لم أكن أحتاج إلا لأفكار، ولكن لم أتخيل أبدًا أن تأتيني أفكار بلحمها وشحمها، فاتنة ساحرة كما أراك، وما أحمقني، فقد حركت كل شيء داخل جسدي وخارجه إلا الإبداع.
– لكن كلامك هذا يثبت عكس ذلك.
جلستُ على طرف السرير أحاول أن أستوعب كل ما حدث، كانت “أفكار” تقف أمامي، عارية في تحد مستفز، نظراتها اخترقتني كالسيف. أشحت ببصري عنها وأنا لا أعرف إن كنت أحتاج سيجارةً أخرى أم جرعة ماء بارد تعيدني إلى واقعي. مددت يدي لأرتدي ملابسي ببطء، فوجدتها تلتقط دفتري المهترئ الذي أحمله معي دائمًا، وبدأت تقلب أوراقه، تقرأ بعينيها الحادتين كما لو أنها تستكشفني من جديد.
– أهذه قصتك؟! أكل ذلك البكاء من أجل هذه؟!
لم أرد، كنت أعرف أنها على حق. فأنا منذ هجرتني الأفكار، ماتت كلماتي وتيبست:
– نعم للأسف.
ابتسمت ساخرة، ثم ألقت الدفتر بجواري.
– أتعرف، مشكلتك أنك تعيش في قالب جامد ينقصه الإثارة، وتريد بأقل معاناة أن تبدع. وتنال الإعجاب وكأن العالم مدين لك بالتصفيق والاعتراف، بينما كل ما تفعله هو الغرق في البحر نفسه كل يوم.
نهضت واقفًا، اقتربت منها بشيء من التحدي:
– وهل أنتِ أفضل حالًا؟ امرأة تدّعي أنها أفكار، لكنها مجرد فكرة واحدة: الهروب.
ضحكت ضحكة قصيرة، ثم قالت بنبرة مشحونة بالمرارة:
– ربما أنا فكرة واحدة، لكنها كافية لتحريك عالمك الجامد. هل تذكر كيف كنت ليلة أمس غارقًا في اليأس، تبحث عن أي قشة لتنقذك. أنا القشة، لكني لست هنا لأبقى. الأفكار تأتي لتشعل النار، ثم تختفي.
كانت كلماتها كصفعة، لكنها صفعة أيقظتني. ربما كانت “أفكار” مجرد وهم جميل، هدية من الفراغ نفسه، لكنها أيضاً كانت شيئًا لا أستطيع إنكاره. لقد بعثت فيَّ شعورًا كنت أظنه مات منذ فترة طويلة، حاولت التشبث بها كي لا ترحل، فأنا لم أشبع منها بعد، وأخاف على الجذوة التي أشعلتها بداخلي أن تنطفئ، رجوتها:
– لا ترحلي قبل أن نكمل ما بدأناه.
لم تجب، وواصلت ارتداء ملابسها، سألتها بنبرة أقرب إلى الاستسلام:
– وأين ستذهبين الآن؟
– إلى حيث يحتاجني بائس آخر. فأنا لا أنتمي لأحد. لا يوجد في هذا العالم من يستطيع امتلاكي، لكن إذا كنت ذكيًا بما يكفي، اترك الباب مفتوحًا لي حين أعود.
أنهت ارتداء ملابسها بسرعة، ثم خرجت من الغرفة بخفة وكأنها لم تكن موجودة أبدًا. بقيت وحدي، والغرفة تملؤها رائحة السجائر والعرق وكلمات لم تُكتب بعد. أخذت دفتري وقلمي، وجلست أمام النافذة التي بدأ الفجر يتسلل عبرها.
كتبت جملة واحدة:
“أحيانًا تأتيك الأفكار عاصفة، تحطمك لكنها تمنحك بداية جديدة.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى