أخبار عاجلةالرئيسيةدراسات ومقالات

محمد رضوان يكتب باتريس لومومبا… حين عاد الاسم وجلس بين الناس

 

الهتاف الذي خرج من مدرجات بطولة إفريقيا حمل هيئة رجل. اسم باتريس لومومبا تحوّل إلى حضور، إلى كتف يلامس كتفًا، وإلى صوت يتنفس وسط الزحام. المدرج اتسع فجأة، كأن التاريخ قرر النزول من عليائه، والجلوس حيث يجلس الناس.

لومومبا عاش عمره قريبًا من الأرض. لم يعرف المسافة بينه وبين الجمهور، ولم يصنع حول نفسه سورًا من الهيبة. حين تحدث، خرج صوته من الشارع، وحين حلم، حلم بصيغة الجمع. لهذا التصق اسمه بالناس، ولهذا عاد إليهم بسهولة، من دون وساطة، ومن دون طقوس رسمية.

الكونغو يوم استقلالها كانت تبحث عن ذاتها. جاء لومومبا حاملاً مرآة صافية، وقال إن البلاد ترى نفسها كاملة للمرة الأولى. الكلمات سقطت ثقيلة على عالم اعتاد أن يرى إفريقيا من علٍ. الخوف بدأ لحظة النطق. القرار جاء سريعًا. الرجل صار عبئًا، والصوت صار خطرًا، والحلم صار جريمة.

القتل جاء كفعلٍ صامت، ثم تبعه صمت أطول. الاسم أُبعد عن الضوء، والصورة صُغّرت، والسيرة حُشرت في الهامش. الزمن مضى، والجرح ظل مفتوحًا، يتنفس ببطء في الوعي الجمعي، ينتظر لحظة صدق عامة.

اللحظة وصلت من المدرجات. جمهور الكونغو نطق الاسم، فخرج من الكتب، وسار في الهواء، واستقر بين الحناجر. الهتاف أعاد ملامح الرجل: وجهه الصارم، صوته الواثق، وحدته التي لم تُخفِ إنسانيته. الشخصية عادت كما كانت، قريبة، واضحة، غير قابلة للترويض.

المدرج تحوّل إلى ساحة ذاكرة. الكرة دارت، والاسم ثبت. كل صوت شارك في الهتاف حمل جزءًا من السيرة، وكل يد ارتفعت أعادت قطعة من المعنى. لومومبا وجد مكانه الطبيعي، وسط الناس، في المساحة التي تشبهه.

الشكر هنا واجب. شكر لجمهور الكونغو الذي فتح للذاكرة بابًا في زمن السرعة. شكر لأصوات فهمت أن الهوية تُستعاد بالفعل الجماعي. شكر لقلوب أعادت للرجل ما حُرم منه طويلًا: الحياة بين شعبه.

باتريس لومومبا صار فكرة تمشي على أقدام كثيرة. الاسم تحرر من الرخام، ومن الصور الجامدة، ومن الصمت المؤجل. عاد حيًا في الهتاف، حاضرًا في الجمع، ثابتًا في الوجدان.

هكذا يُستعاد الرجال الذين يشبهون شعوبهم.
هكذا يعود الاسم إلى مكانه.
باتريس لومومبا اليوم يسكن الجمع.
الاسم يتحرك مع الهتاف.
الشخصية تتجدد مع كل استدعاء صادق.

الاغتيال صنع لحظة صمت.
الهتاف صنع زمنًا مفتوحًا.

هكذا يعود من يشبهون شعوبهم.
هكذا تستعيد الأسماء مكانها الطبيعي، في المنتصف، حيث يقف الناس.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى