رياض عبد الواحد يكتب قراءة وتأويل لنص (سيرة حلم ) للشاعر عبد السادةالبصري أ
أنطولوجيا الحلم المؤجَّل

مقدّمة
من السيرة إلى سؤال الكينونة:
يشكّل نص (سيرة حلم) إنموذجًا شعريًا يتجاوز حدود السرد الذاتي ليؤسس خطابًا أنطولوجيًا يُعيد مساءلة العلاقة بين الإنسان والزمن والحلم. فالقصيدة لا تكتب سيرة فرد، بل تعيد كتابة مفهوم السيرة ذاته بوصفه بنية رمزية متصدّعة، يتجاور فيها الواقعي
العنوان بوصفه مفارقة أنطولوجية :
يحمل تركيب (سيرة حلم) توترًا دلاليًا عميقًا. فالسيرة تحيل إلى الامتداد الزمني الواقعي، بينما الحلم ينتمي إلى فضاء الاحتمال والتخييل والانفصال عن المادة. إن الجمع بينهما لا يفضي إلى تطابق، بل إلى مفارقة.
اللافت أن النصيص جاء خاليًا من الرابط النحوي (ليست (سيرةُ حلمٍ) على نحو تقريري)، مما يخلق فراغًا تركيبيًا يفتح أفق الاحتمال:
هل هي سيرة الحلم ذاته؟
أم سيرة إنسان كان الحلم جوهره؟
أم أن الحلم هو الذي يكتب السيرة؟
هذا التعليق النحوي يُنتج ما يمكن تسميته (فراغًا تأويليًا) ، تتحرك فيه القراءة من دون أن تصل إلى تثبيت نهائي للمعنى. وهنا يتجلى الطابع الحداثي للنص: المعنى لا يُعطى، بل يُنتَج عبر حركة القراءة.
الأب كأصل رمزي وبنية ضوئية:
(استحمّت الشمسُ بعينَي أبي)
هذا السطر يمثل لحظة تأسيس رمزية. فالأب لا يظهر بوصفه شخصية اجتماعية، بل بوصفه “مبدأً ضوئيًا”. الشمس — العلامة الكونية الكبرى — لا تضيء، بل “تستحم” بعينيه. أي أن الضوء لا يصدر من السماء، بل من الأصل الإنساني.
هنا يحدث انقلاب كوسمولوجي:
الإنسان يصبح مركز الكون الرمزي، والطبيعة تنعكس فيه لا العكس.
الاستحمام فعل تطهّر وتجدد، مما يمنح الأب وظيفة ميتافيزيقية: هو مصدر الإشراق الأول، ومنه يبدأ تشكّل الحلم. لذلك يتكرر الفعل:
(ظلّ يغازلها، ويغازلها)
التكرار ليس زخرفًا إيقاعيًا فحسب، بل بنية دلالية تشير إلى أن الرغبة حركة دائمة غير مكتملة. المغازلة فعل اقتراب من دون امتلاك؛ إنها علاقة توتر لا تحقق نهائيًا. وهكذا يُبنى الحلم منذ بدايته بوصفه حركة نحو ضوء لا يُمتلك.
الحلم كزمنٍ موازٍ:
(كي يرسمَ فوق خيوط أشعّتها
حلماً ،،، صاحَبَهُ العمرُ !!)
الفعل “صاحبه” لا يدل على تطابق بين الحلم والعمر، بل على مجاورة. العمر يمضي، والحلم يرافقه، من دون أن يتحوّل إلى واقع. هنا يتأسس ما يمكن تسميته بـ “الزمن الموازي”:
زمن بيولوجي يمضي، وزمن رمزي يظل معلقًا.
ليس الحلم هدفًا يُنجز، بل أثرًا يرافق المسار الوجودي. إنه بنية تأجيل مستمرة، تعيش داخل الزمن من دون أن تذوب فيه.
الريف والعش — أنثروبولوجيا الأصل:
(كي يبنيَ عشاً في قلبِ الريف)
الريف في النص ليس مكانًا جغرافيًا، بل فضاء الأصل. إنه رحم الذاكرة الجمعية، حيث البساطة الأولى قبل تعقيد المدينة والحداثة. والعش — بخفته وهشاشته — يرمز إلى بيت غير مكتمل، بيت لا يملك صلابة الحجر بل دفء القرب.
إنه بيت الحلم، لا بيت السلطة.
العش هنا استعارة مزدوجة:
من جهة، هو الأمان الأول.
ومن جهة أخرى، هو هشاشة الوجود.
وهذه الثنائية تعكس توتر النص كله بين الطمأنينة والانكسار.
العصافير — الحرية المؤطرة بالانتماء:
(أنجبَ عصفوراً، اثنين، وثلاثة)
يمنح التصاعد العددي الإحساس بالنمو والاستمرار. لكن اختيار “العصفور” لا “النسر” مثلًا، يحمل دلالة الرقة والهشاشة. إنها حرية صغيرة، يومية، لا بطولية.
(علّمهم كيف يطيرون بحبٍّ
ويشتاقون لخبز التنّور)
الطيران هنا مشروط بالحب، والاشتياق مربوط بخبز التنور — رمز الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية. الحرية لا تعني الانفصال عن الجذور، بل التحليق مع الاحتفاظ بالرائحة الأولى.
إنها حرية لا تقطع الحبل السري مع الأصل.
العقد الثامن — الزمن كقوس انكساري:
(في العقد الثامن
سافر ذات صباح
مع قمرٍ آفل)
القمر الآفل علامة أفول الضوء. وإذا كانت الشمس في البداية تستحم بعينيه، فإن النهاية تأتي مع ضوءٍ منطفئ. هنا يتحقق التحول الرمزي من الإشراق إلى الأفول.
ليس السفر انتقالًا مكانيًا، بل عبورًا أنطولوجيًا. إنه انتقال من الحضور إلى الغياب.
لكن المفارقة تكمن في أن النص لا ينهي الحلم بالفعل، بل يعلن استحالته:
(حلمٍ لن يتحقق أبداً
أبداً
أبدا !!!!!)
التكرار المتصاعد لا يُميت الحلم، بل يكشف عن عنف الرغبة في نفيه. فالإلحاح في النفي دليل على بقاء الأثر. اللغة، وهي تعلن الاستحالة، تحفظ الاسم. والحلم — مادام يُذكر — لم يمت تمامًا.
بنية النص كقوس دائري:
يبدأ النص بضوء الشمس وينتهي بأفول القمر.
يبدأ بالمغازلة وينتهي بالعصر بالحزن.
يبدأ بالحلم وينتهي باستحالته.
لكن هذه النهاية لا تغلق الدائرة، بل تتركها مفتوحة: لأن الحلم — حتى وهو “لن يتحقق” — أصبح سيرة مكتوبة. والكتابة شكل من أشكال التحقيق الرمزي.
هنا تتجلّى المفارقة الكبرى:
الحلم الذي لم يتحقق في الواقع، تحقق في اللغة.

خاتمة:
يقدم النص رؤية وجودية عميقة مفادها أن الإنسان لا يُقاس بما أنجز، بل بما حلم. فالحلم ليس مشروعًا ماديًا بقدر ما هو بنية داخلية تشكّل معنى الحياة.
الأب في النص ليس فردًا، بل رمز الأصل.
الريف ليس مكانًا، بل ذاكرة.
العصافير ليست أبناءً فحسب، بل إمكانات.
والحلم ليس هدفًا ضائعًا، بل أثرًا مستمرًا.
وهكذا تتحول (سيرة حلم) إلى كتابةٍ عن الكينونة المؤجلة، إذ يبقى الإنسان مشدودًا إلى ضوءٍ أول، حتى وهو يعبر مع قمرٍ آفل نحو الغياب.
إن النص لا يرثي حلمًا مكسورًا، بل يكشف أن الحلم — حتى في انكساره — يظل البنية العميقة التي تمنح الوجود معناه.
النص الاصلي
( سيرة حلم .. )
في ،،
أواخر العقد الأول
من القرن العشرين
استحمّت الشمسُ بعينَي أبي
ظلّ يغازلها ،،
ويغازلها
كي يرسمَ فوق خيوط أشعّتها
حلماً ،،، صاحَبَهُ العمرَ !!
وفي العقد الرابع منه
تزوّجَ ،،
كي يبنيَ عشاً في قلبِ الريف
أنجبَ عصفوراً ،
اثنين ،،،
وثلاثة
علّمهم ، كيف يطيرونَ بحبٍّ
فوق مويجاتِ الشطِّ
ويشتاقونَ لخبزِ التنّور
لكنّه ،،
في العقد الثامن
سافرَ ذات صباحٍ ،
مع قمرٍ آفل ،،
يعصرُه الحزنُ
على ،،،،،
حلمٍ لن يتحقق أبداً
ابداً ،،،
أبدا !





