منال رضوان تكتب ثلاثة وثلاثون فصلاً من حياة القصور.. إلين شانيلز تروي أسرار الأميرة زينب.

يُشرع كتاب “ذكريات أميرة مصرية” أبوابًا موصدة على عالم نساء القصر الملكي (الحرملك) في عصر الخديوي إسماعيل، مقدمًا شهادة استثنائية بقلم المربية الإنجليزية إلين شانيلز، التي استُدعيت من لندن لتتولى تهذيب وتعليم الأميرة زينب هانم ابنته من زوجته الثانية الأميرة جانانيار.
صدرت هذه المذكرات في نسختها العربية عن المركز القومي للترجمة، بتوقيع المترجمين مي موافي ومحمد عزب؛ لتكشف عن نص يمزج بين التوثيق التاريخي والسرد الإنساني المشبع بالتفاصيل الدقيقة التي غابت عن بعض كتب المؤرخين الرسميين. ومن المثير للتأمل أن صاحبة هذا الأثر، إلين شانيلز، تظل شخصية يكتنفها الغموض، إذ لا تتوفر عنها معلومات سيرية وافية خارج حدود رحلتها المصرية، كما يفتقر الأرشيف التاريخي لأي صورة فوتوغرافية تمنح ملامح واضحة لتلك السيدة التي عاشت في قلب القصر الخديوي .
يمتد الكتاب عبر ثلاثة وثلاثين فصلاً، تبدأ لحظة وصول إلين إلى القاهرة في مطلع سبعينيات القرن التاسع عشر، وتنتهي بوداع حزين لمصر عقب وفاة تلميذتها الأميرة الشابة إثر حمى شديدة لترحل في سن مبكرة (ستة عشر عامًا).
ترصد الفصول الأولى دهشة المربية الوافدة من بيئة فيكتورية محافظة أمام صخب العاصمة المصرية وتناقضاتها؛ حيث كانت القاهرة تعيش مخاض التحول إلى “باريس الشرق”. تنقلنا شانيلز ببراعة بين ردهات قصر القبة وقصور السرايا، واصفةً بدقة الأثاث الفاخر، وطرق الضيافة، والطقوس اليومية التي كانت تحكم حياة الأميرات في ذلك العصر، ولا يمكننا إغفال تلك النبرة الاستشراقية التي بدت واضحة في بعض المفردات مما جعل الجهد الترجمي يحاول رأب الصدع بإبداء الملاحظات في هامش المتن كذكر ألين للفظ (المحمديين) على سبيل المثال،
غير أنها أظهرت في مذكراتها الخديوي كحاكم مستنير يسعى بجهد حثيث لغرس القيم التعليمية الحديثة في بناته، موفرًا لهن أرقى سبل المعرفة المتاحة في ذلك العصر.

تتجاوز المربّية في سردها الوصف المكاني لتنفذ إلى جوهر العلاقات الاجتماعية داخل “الحرملك”، فتسجل ملاحظاتها حول التراتبية الطبقية، ودور الوصيفات، والتعقيدات التي كانت تكتنف حياة النساء في القصر
كما كانت رحلاتها مع الأميرة عبر النيل في “الذهبيات” الملكية فرصة لاستكشاف جغرافيا مصر وروح شعبها، حيث تداخلت في مذكراتها المشاهد الطبيعية الخلابة مع التأملات في الشخصية المصرية، كذا يبرز دور المترجمين في هذه الطبعة في الحفاظ على النبرة الهادئة والمراقبة الحذرة التي اتسم بها قلم شانيلز، مع تقديم هوامش توضيحية تعيد ربط الأحداث بالسياق التاريخي والسياسي لمصر آنذاك.
تمثل فصول الكتاب رحلة تصاعدية تبدأ بالاستكشاف والتعارف، وتمر بمرحلة التآلف العميق بين المربية وتلميذتها، وصولًا إلى ذروة التراجيديا في الفصول الأخيرة.
كانت الأميرة زينب هانم تمثل الأمل في جيل جديد من الأميرات المصريات المتعلمات، وقد ارتبطت بشانيلز برابطة تتجاوز حدود التعليم إلى الصداقة الإنسانية، لكن يكتب القدر الفصل الأخير ليلقي بظلاله القاتمة على صفحات الكتاب، حيث تصف إلين اللحظات الأخيرة للأميرة ومعاناتها مع المرض الذي لم يمهلها طويلاً، لتموت وهي في ربيع عمرها. هذا الموت كان إيذانًا بانتهاء مهمة المربية الإنجليزية ورحيلها عن بلد سحرها بتفاصيله، تاركة خلفها هذا الكتاب الذي يعد وثيقة أنثروبولوجية لا غنى عنها لفهم التغييرات الاجتماعية والسياسية في مصر الخديوية.

مع هذا يبقى كتاب “ذكريات أميرة مصرية نصًا مراوغًا، فهو مذكرات مربية من جهة، وتاريخ غير رسمي لبيت الحكم المصري من جهة أخرى، إن غياب صورة إلين شانيلز عن غلاف الكتاب أو متن صفحاته يجعل القارئ يتخيلها من خلال نبرة صوتها في الكتابة؛ تلك النبرة التي جمعت بين الاعتزاز بالهوية الإنجليزية والانفتاح على الثقافة المصرية بخصوصيتها الشديدة تأخذ القارىء إلى رحلة عبر الزمن، تمنح الفرصة فيها لرؤية التاريخ من خلال الستائر الحريرية، وعبر عيون سيدة أجنبية شهدت أفراح القصر وأتراحه قبل أن تغيب هي الأخرى في طيات النسيان، تاركة لنا هذه الفصول الثلاثة والثلاثين لتكون شاهدًا على عصر بكامله.
بقي القول: أنه مع ملاحظة وجود نبرة براجماتية بررت إلين بها كتابتها للعمل؛ وهو مرورها بضائقة مالية نتيجة إنهيار العملة غير أن هذه الآراء يمكن الرد عليها أن أوضاعها المالية تحسنت، كما أنها قامت بنشر الكتاب بعد ثمانية عشر عاما من كتابته لكن يتضح أن سر الشرق وسحره لم يغيبا عنها.



