نهر من سفرجل ديوان د.جمال الدين عبد العظم بين الحقيقة والرمز الشعري تحليل د.صبري زمزم

تحليل د.صبري زمزم
*نحن أمام نهر متدفق من الإبداع الشعري المتميز لشاعر ذي قريحة رائعة و أداء متميز ينبع من شخصه وذاته، هو الشاعر جمال الدين عبد العظيم، ويعبر عن نفسه، فجاء الديوان بمثابة بصمة شعرية تعكس حالة الشاعر النفسية والوجدانية، فإذا توقفنا أمام أولى عتبات الديوان، وهو بطبيعة الحال العنوان، سنجده “نهر من سفرجل” وهو عنوان شعرى وليس عنوانا واقعيا . . فنحن نعرف نهرا من ماء عذب فرات، أو نهرا من عسل مصفى أو من لبن أو خمر، وكلها معان واقعية يسهل تصورها، بسبب طبيعة هذه الأشياء الماء والعسل واللبن والخمر ، حيث إنها تتناسب مع طبيعة النهر التى توحي بالسيولة والتدفق والجريان، ولكنه حين قال من سفرجل يجعلنا نتوقف ونبحث عن معنى سفرجل لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره ..لنجده نوعا من الفاكهة تشبه الكمثرى وطعمه جميل وأكله مفيد، وورد في أحاديث نبوية فوائده والحث على أكله، ولم يذكر في القرآن، فإذا تخيلنا شكل نهر من سفرجل أي نهر من هذه الثمار سنصطدم بطبيعة هذه الثمرة الصلبة غير السائلة وهي تتعارض مع طبيعة سيولة النهر، فنكتشف طبيعة الخيال في هذا العنوان فهو عنوان شاعري خيالي وليس واقعيا، إذ ليس من طبيعة النهر أن يتكون من سفرجل بدلا من مادة سائلة، لكن إذا نظرنا إليه باعتباره رمزا شعريا أقول إن الرمز حمال أوجه وإلا ما كان رمزا، لكني أراه رمزا للغاية المستحيلة أو التي يراها الإنسان فوق مستوى لا تحقق فهو وحبيبته يتمنيان أن يسبحا فى نهر من سفرجل، وهذا فى حد ذاته من المستحيل، فهى غاية الغاية.

*وإذا بحثنا عن الجو العام للديوان سنجد سحابة قاتمة تخيم على الديوان من أوله إلى آخره بين آلام الفقد، فقد الأخ فى بداية الديوان وفقد الأم والصديق في نهايته، فبدأه برثاء و أنهاه برثاء، وبين هذا وذلك مشاعر قاتمة لا نشتم فيه رائحة الفرح إلا قليلا، فهذه آلام فراق وتلك آلام سراب أمل لا يتحقق، وأماني تتسرب من بين يديه، وهذه يجتر فيها ماضيا مؤلما وتلك يستشرف فيها مستقبلا غائما غامضا فيه كثير من التشاؤم، وقد غلبت هذه الروح السوداوية على الديوان، بالرغم من أن قصائد الديوان فى معظمها ألفها الشاعر في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، أى أنه كان في شرخ الشباب ، فماذا لو كانت من ثمار الشيب وفى هذه الأيام الصعبة. وقد تنوعت القصائد فمعظمها مونولوج أشبه بحديث النفس، أو حديث إلى المحبوبة من طرف واحد، وبين ديالوج أو حوار ثنائى بينه وبين محبوبته فيسألها وتجيب أو تسأله فيجيبها من خلال حوار صدر جمله بقلت وقالت، كأنه شعر مسرحی فى مقابل الشعر الغنائي.

* وبالرغم من أن معظم القصائد تدور حول الذات أو معاناة الشاعر العاطفية والنفسية عبر عنها بزفرات حارة انسابت عبر معظم قصائد الديوان، إلا أنها لم تخل من الروحانيات بل الصوفية أحيانا، فذكرنا بابن عربي وبالحلاج في بعض قصائده، كما أنه تطرق إلى بعض الأحداث الجارية التي أثارت حنقه وغضبه في قصيدة عن الصرب ومأساة البوسنة، وما فيها من معاناة وسط صمت المجتمع الدولي الذي كان يدعي الحياد ولكنه في الحقيقة كان قمة في الانحياز، ولم يكن من فعل سوى الشجب الذي لا يدفع خطرا ولا يخفف ألما.. وما أشبه الليله بالبارحة، وكانه يتكلم عن مأساة غزة وحربها على مدار أكثر من عام.
* اللغة شاعرية رقيقة موحية والألفاظ ناعمة وقليلة الأخطاء، وتتسم بالثراء، وكما أن كل شيء يزيد عن حده ينقلب إلى ضده فقد كان الإسراف في علامات الضبط لزوم ما لا يلزم، فلم يترك حرفا بدون ضبط حتى إنه ضبط ما لا يضبط مثل وضع سكون على كل حروف المد وهى حروف عدم ضبطها بالسكون أولى.مثل قال ويبيع.
*الصورة الفنية
جات الصور الفنية غزيرة، متعددة المصادر تضافرت
فيها الألوان مع الأصوات مع الحركة في معظم القصائد
مع البعد عن الصور المهومة والتعبيرات الغامضة، فإذا اخترت قصيدة تعبر عن جل ما قلت كمثال توضيحى جامع
فإني أختار قصيدة ألا رحماك يا نهرا:
ألا رحماك يا نهرا
أراه تثاءبت من نومه الأزمان، أتيت لطميك الأخضر
أتيت الآن فقبل حرقتى بالماء وبلغ وردة لأليفى الناسى فبالشطآن ملاذ غريب جنى النسيان من لبلابة المحبوب.

* ولم تخل أبياته من الحكمة ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
فما كان أوله رشفة الملح آخره مفعم بالمرار.
ديوان يستحق أن نقرأه أكثر من مرة.





