أخبار عاجلةالرئيسيةدراسات ومقالات

خرائط النجاة بين الواقع والكابوس قراءة نقدية في قصة “خرائط لينة” للقاص كرم الصبّاغ

بقلم الكاتبة الروائية هدى حجاجي أحمد

 

تُعدّ قصة “خرائط لينة” واحدة من النصوص السردية التي لا تكتفي بحكاية حدث أو تتبع مسار شخصية، بل تذهب إلى مناطق أعمق، حيث يتقاطع الواقع بالحلم، والذاكرة بالهذيان، والذنب بالخلاص، في بناء رمزي كثيف يفتح أبواب التأويل على مصاريعها. إنها قصة عن الإنسان حين يعجز عن احتمال العالم، فيخترع عالمًا آخر، ثم يكتشف أن النجاة الحقيقية لا تكمن في الهرب من الألم، بل في مواجهته.

منذ المشهد الافتتاحي يقف البطل على رصيف بارد منتظرًا قطارًا إلى مدينة لم يزرها قط، لكنه يعرفها أكثر مما يعرف واقعه. وهنا يضعنا الكاتب مباشرة أمام ثنائية مركزية: مدينة الواقع ومدينة الحلم. المدينة المنشودة ليست مكانًا جغرافيًا بقدر ما هي حالة روحية، فردوس داخلي يتشكل كلما ضاقت الحياة واختنق الوجود. ولذلك تبدو شوارعها الواسعة ونوافيرها المضيئة وأطفالها السعداء امتدادًا لرغبة دفينة في عالم أكثر عدالة وإنسانية، عالم خالٍ من القبح والقهر والخوف.

غير أن هذا الفردوس لا يبقى مستقرًا. فهناك ذلك الصوت الذي يتسلل باستمرار ليحطم لحظات الصفاء. والصوت هنا ليس شخصية مستقلة بقدر ما هو تجسيد حيّ للضمير والخوف والشك والوعي المؤلم. إنه الوجه الآخر للبطل، أو ما يسميه علماء النفس “الذات المظلمة” التي ترفض الهروب وتصر على استدعاء الحقيقة مهما كانت موجعة. ولذلك يظهر الصوت بوصفه قوة قاهرة تحتل الداخل، تمامًا كما تحتل الذكريات المؤلمة أعماق الإنسان.

وتبلغ القصة ذروتها الرمزية مع ظهور الطفلة بائعة المناديل. فهي ليست مجرد شخصية عابرة، بل تمثل الضحية المنسية التي يسحقها المجتمع ثم يمضي غير آبه بمصيرها. حين يلتقيها البطل أول مرة يمنحها نقودًا وينصرف، كما يفعل كثيرون ممن يكتفون بإحسان عابر لا يغير شيئًا من المأساة. لكن موتها اللاحق يحولها من طفلة إلى جرح مفتوح في الذاكرة. إنها تصبح رمزًا لكل الأطفال الذين التهمتهم الشوارع والفقر والاستغلال والعنف، ثم اختفوا دون أن يتركوا أثرًا سوى وخز الضمير.

ويبرع كرم الصبّاغ في تحويل هذا الجرح الاجتماعي إلى بنية فنية داخل النص. فصورة الطفلة لا تلاحق البطل من الخارج، بل تستوطن أحلامه وكوابيسه، حتى تفقد المدينة المتخيلة قدرتها على الظهور. وكأن الكاتب يريد القول إن الخلاص الفردي مستحيل ما دام الألم الجماعي قائمًا. لا يمكن بناء مدينة للسعادة فوق جثة طفلة مهملة. ولا يمكن للخيال أن يمنح الطمأنينة بينما الحقيقة تصرخ في الداخل.

ومن أجمل الرموز في القصة ذلك المسخ المتكوّر أسفل القدمين. فهذا الكائن القبيح الذي تفوح منه الروائح الكريهة ليس سوى صورة مجسدة للخوف والجبن والتواطؤ والصمت. إنه الوجه الذي يحاول الإنسان إنكاره في نفسه، لكنه يظل حاضرًا مهما حاول تجاهله. لذلك نراه يرتبط بالشخصية الغامضة المتهمة ضمنيًا بجريمة الطفلة، في تماهٍ ذكي بين الشر الفردي والشر الجمعي.

أما القطار فيمثل النقيض الكامل. إنه رمز الخلاص والعبور والتحرر. غير أن الكاتب لا يجعله يصل إلا بعد رحلة طويلة من الألم والمواجهة. فالمدينة لا تظهر على الخرائط التقليدية، لأنها ليست مدينة جغرافية، بل مدينة أخلاقية وإنسانية لا تولد إلا حين يعترف الإنسان بجراح العالم ويحمل مسؤوليته تجاهها.

ويصل النص إلى خاتمة شديدة الشعرية والعمق حين تتحول الطفلة الميتة إلى مرشدة روحية تقود البطل نحو الضوء. هنا يتجاوز الكاتب منطق الموت نفسه، فالأطفال الذين سُلبت حياتهم يعودون ليصنعوا طريق النجاة. والضحايا الذين أُقصوا من العالم يصبحون بناة عالم جديد. ولذلك فإن ظهور المدينة أخيرًا على الأطالس ومجسمات الأرض ليس حدثًا واقعيًا، بل انتصار رمزي للحقيقة على الإنكار، وللضمير على الصمت، وللأمل على الخراب.

لغة القصة تميل إلى الشعرية العالية دون أن تفقد قدرتها السردية. فالوصف هنا ليس زينة لغوية، بل أداة لبناء المناخ النفسي والرمزي. كما أن الانتقال المستمر بين الحلم والواقع منح النص طابعًا كابوسيًا ساحرًا يذكر ببعض أعمال كافكا وماركيز، حيث يصبح الحد الفاصل بين الممكن والمستحيل هشًا وقابلًا للانهيار في أية لحظة.

في النهاية، لا تبدو “خرائط لينة” قصة عن رجل ينتظر قطارًا فحسب، بل قصة عن الضمير الإنساني حين يرفض أن يشيح بوجهه عن المأساة. إنها نص عن الأطفال المنسيين، وعن المدن التي نحلم بها لأن الواقع خذلنا، وعن الخرائط التي لا تُرسم بالحبر والجغرافيا، بل بالرحمة والعدالة والقدرة على الاعتراف بالألم. ولهذا تظل القصة مفتوحة على سؤال إنساني كبير: هل يمكن أن نجد مدينتنا المنشودة قبل أن نواجه أشباح الذين تركناهم خلفنا؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى