منال رضوان تكتب ربات البيوت وصانعي المحتوى
إن القفز فوق المسميات المستقرة لتغيير خانة المهن الرسمية من (ربة منزل) إلى (صانعة أجيال) حمل إليَّ في طياته سطحية فكرية مثيرة للضحك، أو الشفقة، أو كليهما.
فهي فكرة يتم معها إغفال القيمة الحقيقية للدور الأسري واختزاله في مجرد شعارات رمادية ملساء!
نحن أبناء وأحفاد لجداتٍ -ربما- لم يعرفن القراءة أو الكتابة، لكنهن امتلكن حكمة عميقة وإدراكًا تامًا مكتمل الأركان لواجباتهن التأسيسية تجاه الأسرة ومن ثم المجتمع.
جداتنا، كنّ يدركن -بفطرة سليمة- قيمة المال وإدارة الموارد بحس أصيل، لم تكن إحداهن بحاجة إلى خوض صراعات إثبات الذات، أو الخروج تحت شعارات فرض السيطرة وترديد مقاطع (اللي قادرة على التحدي، ومسيطرة، أو حتى أنا أهو وأنتَ أهو).
كانت الأجواء المشرقة المحملة برائحة الدفء تغمرنا، وبرنامج إلى ربات البيوت للإعلامية القديرة صفية المهندس الذي يبث صباحًا عبر أثير الإذاعة، ليمثل جزءًا من منظومة قيمية تُعلي من شأن الأسرة المصرية وتماسكها من دون الصخب الاستهلاكي لبعض مذيعات (العرايس الحلاوة) الساعيات إلى لفت الأنظار.
مثل هذه الدعوات التي تنطوي على آراء -ساذجة- تُقَدِم للإناث رداءً مزيفًا للتحرر، كما تمنح بعض الذكور مبررات مناهضة تتذرع بضرورة مكوث النساء في المنزل واحتقرارهن.
إن استخدامي لمصطلحي “الإناث” و”الذكور” هنا يأتي عن قصد لتعرية الآراء التي تحاول اصطناع قناع الحكمة ؛ فمن يطرح رأيًا محصورًا في أن قضايا المرأة -الشرقية- أعمق من التوقف عند حدود السهر والمظهر الخارجي، يُردّ عليه بالمنطق الحاكم ذاته؛ إن قضايا الذكور أيضًا في مجتمعنا المتخم بالمشكلات، أوسع وأشمل من اختزالها في مسألة التعدد أو حرية العلاقات للرجل.
بيد أن هذا الاختزال البدائي من الطرفين يُعري ضعف الطرح ولي الواقع من أجل الانتصار لأحكام مسبقة، وقرت في أذهان البعض نتيجة ظروفهم الخاصة.
إن قضايا مجتمعاتنا العربية أعمق وأخطر من هذه المقاربات الضيقة الموجِهة؛ فالمشكلة الحقيقية تكمن في فرض ذلك التقسيم الجندري علينا منذ حقبة ما بعد الاستعمار حتى الآن..
هو التقسيم ذاته الذي يُدار على أسس ومنطلقات وافدة على طبيعة مجتمعاتنا العربية والشرقية، فتُروج تلك الأفكار للإطاحة بمنظومة الأسرة ودورها التأسيسي .
لعل تلك الفكرة يتناولها بالبحث والتحليل لوري رودمان وبيتر جليك في كتابهما الأشهر حول الجندر* ، حيث يكشف الكتاب كيفية توظيف هذه الأطر النفسية والاجتماعية لإعادة تشكيل العلاقات وصياغتها وفق مفاهيم غريبة تقتلع البناء الأسري الفطري من جذوره مما يجعل الهيمنة عليه، مهمة يسيرة تعتمد على مدى الوقت الذي يستغرقه انتشار تلك الأفكار الشاذة وعملها في المجتمع .
في النهاية تتخلص المسألة الجوهرية في مدى قدرة الأجيال الحالية على نقل القيمة الحقيقية للتربية والحفاظ على الأسرة من دون الاستماع إلى دعاوى طفيلية طافية.
إلى كل سيدة رزقها الله السكينة والأمان في منزلها: تقومين يا سيدتي برسالة عظيمة لا تقل عن رسالة المرأة العاملة.. تستحقين أن تكوني (ربة لمنزلك) ذلك اللقب الذي يعد تشريفًا لصاحبة رسالة من أعظم الرسائل التي خلق الله المرأة لأجلها؛ إذ جعلها آية دالة على السكينة والمودة والرحمة.
فقد قال تعالى:
(ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)
#منال_رضوان
#ربات_البيوت_وصانعي_المحتوى
هوامش:
ـ *كتاب علم النفس الاجتماعي للجندر كيف تتشكل الهيمنة والحميمية في العلاقات بين النوعين، للمؤلفيْن لوري رودمان وبيتر جليك، من ترجمة راقية الحويك، مراجعة وتصدير وتعليق حمد الجوهري… المركز القومي للترجمة.
ـ {الروم ٢١}





