د. إسحاق بندري يكتب رسائل إلى تنيسي وليمز

1 –
عزيزي مستر تنيسي وليمز
بعد التحية،
أراه أمرًا طيبًا أن يتحدث المرء إلى كُتَّابه المُفَضَّلين عندما يقرأ أعمالهم، ويتبادل معهم الرؤى والانطباعات حول ما تتضمنه تلك الأعمال.
وأرجو أن تعذرني لأني لا أمتلك رفاهية التخفف من ثقل الألقاب. أتصور أن طيفك دعاني لإعادة قراءة أعمالك – الموجود منها في مكتبتي على الأقل – ولا أجد تفسيرًا آخر لذلك الإلحاح الذي لم يتسرب إليه الملل طوال هذا الشهر، ولكنه لطيف رقيق رغم مثابرته. وامتثلتُ له في نهاية الأمر، وأرجو أن تقدر لي انشغالي وتلتمس لي عذرًا بسبب ذلك. ولعلك تعرف أن جزءًا من التأجيل أعزوه إلى سببين؛ أولهما الأذى النفسي الذي يلحق بالمشاهد من جراء مشاهدة الأفلام المأخوذة عن مسرحياتك، شاهدتها قبل سنوات مضت، ورغم أنني لا أنكر انبهاري بما تحمله تلك الأفلام من قوة درامية وفنية، لكنني في ذلك الوقت قطعتُ على نفسي عهدًا ألا أعيد مشاهدتها – وقتها على الأقل – وأما السبب الثاني فربما أنسبه إلى سرعة القراءة التي طالعتُ بها اثنتين من أشهر مسرحياتك قبل أعوام أيضًا، فلم أتبين طزاجتها وعمقها وما بين سطورها من جماليات ساحرة.
حسنًا يا عزيزي، في خلال الأيام الماضية قرأتُ “قطة فوق سطح صفيح ساخن” مرتين بهدوء وتأنٍ، وانبهرتُ حقًّا بملكاتكَ الأدبية، وأعترف أنني لم أعرف حق قدرك بما يليق بك وبمكانتك، كما أنني تفهمتُ شخصياتك، واستغرقتُ في عالمك، وصدعتُ أصدقائي بالحديث عن كل ذلك، وأعدكَ أنني سأعيد مشاهدة فيلمها الشهير بالإضافة إلى ما يتسنى لي العثور عليه من معالجات درامية أخرى، كما أعدك بقراءة مكثفة للدراسات النقدية التي تناولتها، وبمزيد من الحديث بعد مواصلة قراءة أعمالك الأخرى قريبًا مع رجاء أن يعفيني طيفك الكريم من الإلحاح!
عذرًا يا عزيزي فلا قدرة لديَّ على تحمل اللجاجة، فلو كانت “ماجي” قطة فوق سطح صفيح ساخن، فنحن هنا نعيش حرفيًا في داخل السخونة، وليس مجرد سطح صفيح ساخن، وأعصابنا لا تطيق تكرار الكلمات! (لم أستطع أن أتغلب على فضولي لمعرفة درجات الحرارة في محيط دلتا المسيسيبي لديكم ووجدت أنها تقل عن درجة الحرارة لدينا بعشر درجات!)
وعلى كل حال، فما دمتَ صَرَّحتَ بأنك تحب الحديث إلى جمهورك في أروقة المسارح، فلنعتبر هذه المساحة من ضمن تلك الأحاديث، على أمل أن تتقبلها في عالمك الآخر بأريحية وطيب خاطر، ولا تقلق فلستُ من متصيدي الأخطاء أو من هواة الجعجعة الفارغة، وما لا يعجبني أزيحه جانبًا دون الدخول في معارك صفرية لا تقدم شيئًا سوى تبديد الطاقة المحدودة، ألم تشر إلى شيء من قبيل ذلك على لسان شخصية Big Daddy ؟
اتفقنا! وحتى يجمعنا حديث آخر أرجو منك أن تتمنى لي حظًّا طيبًا.
تقبل محبتي واحترامي.
2 –
عزيزي مستر تنيسي وليمز
بعد التحية.
أستأذنك في مواصلة الحديث الذي بدأناه قبل أيام، وقد يفاجئك أن أكثر ما يسعدني في هذه الرسائل الموجهة إليك أنني لا أجد اضطرارًا لمخاطبتك بالأديب الكبير تينسي وليمز (دام إبداعه وفيض قلمه!)، مع أنك بالفعل كذلك، فما أجمله أنكم تتخففون من سائر تلك المبالغات الثقيلة، التي بكل أسف تفسد واقعنا الثقافي هنا! لكنني أفضل أن أناديك بكلمة “مستر” على كل حال، وما يسعدني أكثر أنني أتحدث إليك دون حرج أو خوف من العواقب عما قد يحمله الحديث من نقاط خلافية!
حسنًا يا مستر وليمز، تَطَلَّبَ مني الأمر إجراء بعض البحث عند قراءة “قطة فوق سطح صفيح ساخن” ولا سيما عن أجواء ولايات الجنوب الشرقي ودلتا المسيسيبي، وعايشت تلك الأجواء من صورتها التي عرفتها من الفيلم الشهير، وإن كنت أتحيز أكثر لنصك المسرحي الغني المرهف المرسوم بدقة والمدروس بعناية.
أدركت مما قرأت أن أكثر ما بعث فيك الانزعاج هو حالة تجريف هوية ولايات الجنوب وتسرب مادية الشمال إليها، وهو ما يتضح في شخصية الوالد Big Daddy المحافظ على تلك الروح والأخلاقيات التي لم تتلوث رغم ما أصابه من الغنى ويسر الحال، على عكس ابنه الأكبر جوبر وزوجته – وبالله عليك يا عزيزي ما هذه الألقاب العجيبة من قبيل sister woman و brother man – بكل ما يطفح من نفسيها من مادية وجشع وطمع، بل وكراهية غرساها في نفوس أطفالهم الوحوش عديمي الرقاب no neck monsters،
(أفكر في ترجمتها إلى “مقصوفي الرقبة” كما نقول في مصر) بدرجة تفوق أعمارهم الصغيرة، كما أشرتَ في إرشادتك المسرحية عن الفتاة التي تغيظ ماجي بأنها لا تنجب، وظهر ذلك المشهد عبقريًا في الفيلم! أحييك يا عزيزي على هذا التمكن من فهم النفوس الموغلة في الشر إلى درجة لا تتورع عن تلويث نفوس الصغار التي تنقاد دون تساؤل.
ولكن حالة الوهم والكذب التي تكتنف آل بوليت لا تقتصر على بريك، وإنما تمتد إلى الوالد، ومفضوحة بلا نزاع في جوبر وماي بكل ما يبدر منهما من تملق رخيص مكشوف! إلى حد تصل فيه ذروة المشهد إلى درجة حادة سواء في مواجهة ماجي وبريك، أو مواجهة بريك والوالد، ثم افتضاح مخططات جوبر.
بالطبع قرأت بدقة تصورك للفصل الثالث، وقرأت الفصل نفسه بعد إضافة تعديلات المخرج إيليا كازان إليه، والتي ربما تحمل وجاهة فنية فيما يتعلق باستمرار ظهور الأب والتغير البادي على شخصية بريك ودفاعه عن ماجي وهو ما نشاهده على خشبة المسرح وعلى شاشة السينما، ولكنني أميل أكثر إلى تصوراتك الأولية عن حالة الدمار النفسي والروحي التي ألَمَّت ببريك وبشكل ما استفادت ماجي من ضعفه لتحقيق غرضها في جذبه لإجابة توسلاتها المحمومة. في رأيي أن فرضية كازان لو صحت إزاء هذا التغير الحادث في نفسية بريك بعد المواجهة العاصفة مع أبيه، فهذا التغيير من وجهة نظري هو مجرد تغيير وقتي وسطحي ناجم عن صدمة المواجهة وليس نتيجة اقتناع حقيقي، بل أظن أن بريك قد يندم على ذلك لدى أدنى انتكاسة.
عذرًا إن كنت قد أطلت الحديث، وأعدك بمواصلته قريبًا، والاستمرار في قراءة أعمالك، ومحاولة الحصول عليها بلغتها الأصلية متى تسنى لي ذلك.
تقبل محبتي واحترامي.
3 –
عزيزي مستر تنيسي وليمز
صباح الخير
(وفقًا للتوقيت المصري)
عطفًا على رسائلي السابقة إليك، وكما وعدتك بمواصلة قراءة أعمالك، لذا بدأتُ في مطالعة عملك الأشهر “عربة اسمها الرغبة”، قرأتُ مقدمتها متأنيًّا، وبدأت أنغمس في عالمها القاتم. ذكرتُ لك فيما سبق أنني انصرفتُ عن عالمك الأدبي من جراء الصدمة النفسية التي يتعرض لها القارئ لأعمالك أو المشاهد للدراما المأخوذة عنها، وهو ما حدث معي قبل سنوات مضت، وبلغت ذروة الصدمة مع مشاهدة الفيلم الشهير المأخوذ عن “عربة اسمها الرغبة” وكذلك مع “فجأةً في الصيف الماضي”، وأرجو ألا يزعجك ذلك. أما التبدل الذي جرى معى هذا العام وهو ما شجعني على معاودة اكتشاف عالمك الأدبي من جديد أظنه يرتبط بما صاحب ذائقتي من نضج في خلال تلك السنوات.
اكتشفتُ يا عزيزي أنني قبل سنوات، سواء مع قراءة أعمالك أو مشاهدة الدراما المأخوذة عنها، قد توحدتُ أكثر من اللازم مع تلك المآسي الإنسانية التي تصورها كتاباتك، إلى حد مزعج تَكَفَّلَ بانصرافي عنها، ولكنني الآن أعود إليها لأقرأها من زواية مختلفة؛ زاوية تعاين كل عمل وشخصياته ونكباته وبلاياه دون أن تتماهى معه تمامًا، تراه من فوق أو من الخارج، تتفحصه بكثير من الحياد، تستقصيه بما يتسنى لها من الموضوعية، تتفهم فداحة المحنة الإنسانية، ولكنها تظل على جَلَدها وثباتها الانفعالي، وأتصور أن هذه الزاوية الأكثر نضجًا والتي لم تتوفر لي قبل سنوات هي التي مكنتني من اكتشاف جماليات أعمالك هذه المرة واستيعاب ما تضمنه عالمه من الفواجع أو من الملاهي!
وذلك الاكتشاف يسعدني جدًا، لأننا لا ننزل إلى نفس النهر مرتين!
هل تعتبر ذلك أمرًا جيدًا يا مستر وليمز؟
على كل حال أجدد شكري لطيفك الكريم – رغم إلحاحه – على دعوتي لإعادة القراءة، وسوف نستأنف حوارنا قريبًا.
تقبل محبتي واحترامي.
4 –
عزيزي مستر تنيسي وليمز
بعد التحية.
طوال أمس واليوم لم أفعل شيئًا سوى الاستغراق في “عربة اسمها الرغبة”، وهل تتصور يا عزيزي أنني لمحت في مأساة بلانش دي بوا الكثير من أعراض النكبات التي رأيتها فيمن حولي! لا أرى فارقًا يُذكر في المحنة الإنسانية، سواء جرت في ولايات الجنوب الشرقي لديكم أو وقعت في جنوب الصعيد عندي، وهذا أمر يطول شرحه!
كل هذا الذهان الذي ألَمَّ ببلانش بعد زوال المجد والجاه وترديها في حياة الطيش والمجون والفساد، وما صاحبه من بعض الإنكار حفظًا لماء الوجه، لكنه لا يلبث أن يتبخر لتحل الحقيقة عاريةً مجردةً، ولكن العجيب والذي رسمته بذكاء يا عزيزي هو احتقارها غير المفهوم لزوج أختها ستانلي كوالسكي فقط لمجرد أنه لا ينحدر من ذات الأصول العريقة ويتسم بتلك الطباع الخشنة الفظة، مع أنها في انحلالها الأخلاقي لا تكاد تختلف عنه كثيرًا، بل بالعكس هو أكثر اتساقًا وصراحةً في معرفة نفسه، في حين أن بلانش تغلف احتقارها له ولرفاقه بغلالة دينية واضحة في استهجانها لمن لم يصلوا بعد إلى مرحلة إلى أنهم مخلوقون على صورة الله ومثاله، بل واستاءت في رياء يبعث على الذهول أنها “طرحت دررها أمام الخنازير”!
يا الله!
هل تعرف يا عزيزي كم من المرات شهدتُ مواقف مشابهة تطفح بمثل ذلك التوغل في الكذب على النفس قبل الآخرين، تصحبه تبريرات دينية فجة لتسويغ ازدراء الآخرين دون الالتفات إلى ما في النفس من مثالب، عندما تتعذر على المرء رؤية حقيقة ذاته بعدما فقد كل تواضعه وسلامة ذهنه ويظل دائرًا في دوامة نفسه المُهلِكَة ودوامات التغني بالأمجاد القديمة!
موقف عجيب يا عزيزي ولو اتسع الوقت سوف أكتب عنه أيضًا، وأعدكَ باستكمال الحديث إليك لاحقًا!
تقبل محبتي واحترامي.
5 –
عزيزي مستر تنيسي وليمز
بعد التحية.
أما وقد أنهيت قراءة “عربة اسمها الرغبة” فلا أستطيع أن أتغافل عن نقطة هامة تلفت الانتباه في أعمالك كلها كما يشير النقاد؛ إشفاقك على المنبوذين والمكروهين في مجتمع لا يتقبل ضعفهم الإنساني، ولكن ما أرى أنك رسمته بهدوء واضح هو أن هؤلاء المنبوذين بدورهم قد رفضوا ضعف من تقاطعت حيواتهم معهم وظلوا ما تبقى لهم من العمر يحملون عقدة ذنب تجرحهم في الصميم، سواء في مأساة بلانش مع زوجها الأول آلان، أو كما في شأن بريك تجاه سكيبر في “قطة فوق سطح صفيح ساخن”، ثم محاولة الهروب من ذلك بمعاقرة الخمر ولكن بلا جدوى!
ليس عجيبًا أن يحتقر المجتمع مع يخالفون كوده الرسمي، ولكن المأساة تكمن في أن المرذولين أنفسهم يُظهرون الاستنكاف نحو آخرين! للحظات يتجلى في بلانش العديد من التناقضات الفجة بدايةً من اسمها الذي يعني بالفرنسية “بيضاء” كدلالة على الطهر والنقاء وأصالة المنبت في تناقض صارخ مع ما تلوثت به حياتها من مجون وعربدة، طوال الوقت تحافظ على أناقة ظاهرية تداري بها ما اعترى حياتها من فقر وعوز، تغتسل وتستحم مرات عديدة في اليوم كأنما تجتهد أن تتطهر من الشوائب التي للأسف طالت روحها، تخشى النور وتتعمد الوجود في العتمة لأنها تخشى أن يفضح النور حقيقة عمرها وخوفها وهشاشتها، تتنكر وقتيًّا لحقيقة كونها فتاة ليل من أسوأ نوع طلبًا لاحترام شقيقتها وزوجها، وسعيًّا لاجتذاب ميتش واستمالته كفرصة جديدة للحياة متظاهرةً بأنها سيدة محافظة ذات مثل عليا عتيقة كمجرد كذبة بيضاء للإيقاع به، تحتقر ستانلي وخشونته وبهيميته وتقارنه بمن سبق وعرفتهم من رجال محترمين مهذبين في حياتها الأرستوقراطية الأولى رغم أن حالها الحالي لا يفرق كثيرًا في الوضاعة والدناءة!
وهكذا تتحول الحياة إلى كذبة كبرى، ذهان دائم، صخب المركبة الكهربائية المتضعضعة (الرغبة) المتجهة صوب نهاية الخط (المقابر)، حتى الاعتراف بحقيقة الحال وما تدنى إليه المرء لا يجيء إلا متأخرًا بعد انكشاف الحقيقة المرة! حتى ميتش الذي يفكر في الزواج منها في بدء الأمر، إذ به يمتهنها بعدما أفشى إليه ستانلي حقيقتها انتقامًا لاحتقارها له، يعرض ميتش عن الزواج منها ولا يعاملها إلا بما يليق بها كفتاة ليل! ولا يندم على ذلك إلا وهي تُقاد نحو المصحة العقلية في نهاية المسرحية!
وكم حولنا من أناس يعيشون في كذب مطبق ويخشون مواجهة الحقيقة مفضلين العيش في ظلام الضلال ووهم أصالة الماضي وكرم الأصل غير واعين بما هم عليه وفيه من وهم وخداع وزيف!
أمر جدير بالتأمل والتفكير يا عزيزي!
تقبل محبتي واحترامي.



