أخبار ثقافيةأخبار عاجلةالرئيسية

صدور المجموعة القصصية «أهربُ من ظلّي» لموسى إبراهيم أبو رياش

 

عمّان- متابعة أوبرا مصر

صدرت حديثًا المجموعة القصصية «أهربُ من ظلّي» للكاتب الأردني موسى إبراهيم أبو رياش، عن “الآن ناشرون وموزعون” في عمّان بدعم من وزارة الثقافة الأردنية، ضمن إصدار يواصل من خلاله الكاتب مشروعه في القصة القصيرة، مستثمرًا فضاءاتها الفنية والرمزية لاستكشاف الإنسان في لحظات قلقه وأسئلته الوجودية.
وتضم المجموعة الواقعة في 128 صفحة خمس عشرة قصة هي على التوالي: «انهيار، مشوار، مؤامرة، معركة خاسرة، متاهة، ضيف على حاوية، أهرب من ظلي، نافذة صغيرة، عرض مميز، مطاردة، الحي المهجور، كش مات، جمرة في الجيب، عندما تكذب المرايا، شاهد عيان»، وتتوزع هذه القصص على موضوعات إنسانية وفكرية متنوعة، تتناول العزلة والاغتراب، والقلق الوجودي، والخوف، والذاكرة، والشيخوخة، والمرض، والموت، والهوية، وتشظي الذات، والعدالة، والعلاقات الأسرية، والبيروقراطية، كما تقترب من قضايا المجتمع المعاصر، دون أن تفقد بعدها الإنساني أو انشغالها بالمصير الفردي للإنسان.
لا تقوم قصص «أهربُ من ظلّي» على الحكاية التقليدية التي تبدأ من نقطة وتنتهي عند أخرى، وإنما تعتمد بناءً سرديًا يجعل الفكرة هي المحرك الأول للأحداث، ثم يكسوها الكاتب بلحم التجربة الإنسانية، فكل قصة تبدو وكأنّها سؤال وجودي يتجسد في صورة حكاية، أو تجربة نفسية تبحث عن شكلها الفني، ولهذا تغدو القراءة رحلة في أعماق الشخصيات أكثر منها متابعة لمسار الأحداث.
وتكشف المجموعة ميلًا واضحًا إلى توظيف المفارقة والغرائبية، مع حضور لافت لعناصر الكابوس والحلم والفانتازيا والواقعية النفسية، بحيث تتداخل الحدود بين الواقع والمتخيّل، مما يستدعي من القارئ إعادة تأويل الأحداث والشخصيات حتى بعد انتهاء القراءة.
كما تحضر الرمزية بوصفها تقنية بنائية لا مجرد زخرفة فنية؛ فالظل، والمرآة، والنافذة، والمدينة، والطريق، والانهيار، والمتاهة، والدرج، والحاوية، والساعة، ليست أشياء محايدة، كونها تتحوّل إلى علامات تتجاوز وجودها المادي لتشير إلى الهوية، والذاكرة، والخوف، والضياع، وانقسام الذات، ومن هنا لا تُقرأ القصص قراءة واقعية فقط، وإنما تحتمل دائمًا قراءة رمزية وأخرى نفسية وثالثة فلسفية.
وتتميز القصص بلغة رشيقة مكثفة، تعتمد الاقتصاد في التعبير، وبناء النهايات المفاجئة، والإيقاع الهادئ الذي يتصاعد تدريجيًا نحو ذروة دلالية، فضلًا عن الإفادة من الرمز والإيحاء أكثر من التصريح، وهو ما يمنح النصوص مساحة واسعة للتأويل والمشاركة القرائية.
واعتمد أبو رياش كثيرًا على المونولوج الداخلي، حتى يمكن القول إنّ الحوار الحقيقي في المجموعة ليس بين الشخصيات، وإنما بين الإنسان ونفسه، حيث إنّ الشخصيات تفكر أكثر مما تتكلم، وتحاكم ذاتها باستمرار، وتعيد تفسير ما يجري حولها، ولذلك تبدو معظم الأحداث وكأنّها تقع داخل الوعي قبل أن تقع في الخارج. وهذا يمنح النصوص بعدًا نفسيًا واضحًا، يدعو القارئ ليكون شريكًا في بناء المعنى لا متلقيًا سلبيًا له.
كما تحضر السخرية السوداء في عدد من القصص، وهي ليست سخرية ضاحكة، وإنما سخرية مرّة تكشف هشاشة الإنسان والواقع معًا. يبتسم القارئ أحيانًا، لكنه يدرك سريعًا أنّ ما يبتسم له يخفي مأساة عميقة، وأنّ العبث ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لتعميق الإحساس بالمأزق الإنساني.
ومن أبرز ما يميز هذه المجموعة أنّ الكاتب لا يكتب قصة ليقدم فكرة، ولا فكرة ليصنع قصة، وإنما يُذيب الاثنين معًا داخل بناء سردي متماسك، ولهذا تبدو معظم النصوص قابلة للقراءة على أكثر من مستوى، مما يجعلها نصوصًا تُقرأ أكثر من مرّة، وفي كل قراءة تكشف جانبًا جديدًا من معناها.
ويحمل عنوان المجموعة «أهرب من ظلّي» دلالة رمزية تتجاوز معناها المباشر؛ فالظل هنا ليس مجرد أثر للجسد، بل هو استعارة للذات، والذاكرة، والماضي، والهواجس التي تلازم الإنسان مهما حاول الفرار منها، لتصبح رحلة الهروب في كثير من القصص رحلة إلى الداخل أكثر منها رحلة إلى الخارج.
وعلى الغلاف الخارجي، يرد هذا المقطع من قصة «أهرب من ظلّي» الذي يختزل مناخها التأملي:
«قبل أيّام، أوقفني رجل غاضبًا، وقال بحدّة: «أنت، لماذا دعست على ظلي؟ هذه إهانة لا تُغتفر؛ لأنَّ من يدعس على ظلّي كأنَّه يدعس علي؟ هل أنت أعمى أم تقصد هذا العمل الأخرق؟» تأسَّفت منه، وأكدت أنني أمشي ساهمًا مهمومًا ولم أنتبه لجناب ظلّه الكريم، وطلبت منه السَّماح وأخبرته أنني لا أقصد إهانته، فليس بيني وبينه أيّ عداوة، ولا حتى معرفة سابقة. هدأ غضب الرَّجل، ولما شعر أنَّني صادق، قال: «قد عفوت عنك، اذهب إلى حال سبيلك، وانتبه لخطواتك، فقد نجوتَ مني، وربما لا تنجو من غيري».
غريب أمر هذا الرَّجل ومَنْ على شاكلته؛ فبدلًا من أنْ يشكرني، يغضب ويهدّدني. ما شأنه بظلّه، وهل يملك ظلّه أصلًا؟ وهل يستطيع أنْ يتحكّم به؟ يا رجل ظلُّك عدوُّك! ظلُّك يسخر منك، يمدُّ لك لسانه وأنت لا تراه؛ لأنّك أعمى البصيرة، تحسبه منك، ولكنّه غيرك؛ ألا تراه يتشكّل كما يريد، يطول، يقصر، ينحف، يتضخّم، يتكوّر، يختفي، يظهر، يتسلّق الجدران، ينقسم، يتعدّد، يستقيم، ينحرف.. لو كان حسن النّيّة تجاهك لكان ثابتًا لا يتغيّر، ولكنّه بألف قناع وقناع، وألف شكل وشكل!»
وتأتي قصص «أهربُ من ظلّي» لتضيف لبنة جديدة إلى تجربة القاص والناقد موسى إبراهيم أبو رياش في فن القصة القصيرة، مؤكدةً استمرار انشغاله بالإنسان في هشاشته وقوته، وبالأسئلة التي تظل تطارد الفرد في زمن تتداخل فيه الحقيقة مع الوهم، والواقع مع الكابوس، حتى يغدو الهروب من الظل هروبًا من الذات نفسها.
صمم غلاف المجموعة الفنان عيد بنات، وبتنسيق فني للمهندسة سجود العناسوة. وهي المجموعة القصصية الرابعة للكاتب بعد «الفراشة»، 2017. «الكاميرا الخفية»، 2021. «النداء الأخير»، 2025. وكتاب «على ضفاف السرد: قراءات في القصة والرواية»، 2021. بالإضافة إلى عشرات الكتب المشتركة في الحاسوب التعليمي، ومئات المقالات النقدية والثقافية والتربوية والاجتماعية المنشورة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى