محمد صوالحة يكتب نور

أَسْمَعُ طَرْقًا عَلَى الْبَابِ، مَجْمُوعَةٌ مِنَ الْأَشْخَاصِ يَتَقَدَّمُهُمْ رَجُلٌ جَمِيلُ الْمَنْظَرِ وَيَتْبَعُهُ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ، الرَّجُلُ الْوَسِيمُ جَلَسَ عِنْدَ رَأْسِي وَالْبَقِيَّةُ عِنْدَ رِجْلِي. سَأَلْتُهُ: “مَاذَا تُرِيدُ أَيُّهَا الْوَسِيمُ؟
قَالَ: “جِئْتُ لِآخُذَكَ مَعِي، فَرِحْلَتُكَ انْتَهَت يَا سِرَاجُ
مَا زِلْتُ فِي بَدْاية عُمْرِي وَلَمْ أَتَجَاوَزِ الثَّلَاثِينَ عَامًا؛ يَعْنِي مَا زِلْتُ أَقِفُ عَلَى بَوَّابَةِ الْحَيَاةِ، وَلَمْ أَرَ مِنْهَا الْكَثِيرَ، وَبِعُنُقِي أَمَانَةٌ يَجِبُ أَنْ أُنَفِّذَهَا، لَا يُمْكِنُ يَا سِرَاجُ! صَدَرَ الْأَمْرُ. نَظَرْتُ إِلَيْهِ بِرَجَاءٍ، وَلَكِنَّهُ مَدَّ يَدَهُ حَتَّى غَطَّى وَجْهِي، وَرَفَعَهَا بَعْدَ دَقَائِقَ. شَعَرْتُ بِالِاخْتِنَاقِ، مَعَ الْبُرُودَةِ الَّتِي تَسَلَّلَتْ لِجَسَدِي. أَغْلَقَ الْبَابَ خَلْفَهُ، وَمَا إِن غَادَرَ حَتَّى دَخَلَتْ لُونَا، نَادَتْ: “سراج”، مَرَّةً، اثْنَتَيْنِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَم أُجِبْ. وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى جَبِينِي وَصَرَخَتْ. جَاءَتْ لِيلِيت وجاك، ابْنَةُ رُوحِي أَخَذَتْ رَأْسِي لِصَدْرِهَا وَهِيَ تَقُولُ: “لَا تَرُوح بَابَا، مَا تَتْرُكْنِيش، أَوْ خُذْنِي مَعَكَ”. أَسْمَعُ جاك يَطْلُبُ الْإِسْعَافَ. وَقْتٌ قَلِيلٌ وَحَضَرَ الْمُسْعِفُونَ، وَضَعُونِي عَلَى نَقَّالَةٍ وَهُمْ يَقُولُونَ لِجاك: “الْبَقِيَّةُ بِحَيَاتِكَ”. صَرَخَتْ لُونَا، وَصَرَخَ جاك وَهُوَ يُرَدِّدُ: “يَا سراجَ لَا تَرْحَل فالوقت ما زال مُبَكِّرًا، فَلَمْ تُكْمِلِ الثَّلَاثِينَ مِن عُمْرِكَ، وَلَمْ تُكْمِلْ رِحْلَتَكَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، وَلَمْ تُكْمِلْهَا مَعَ أَنْطُوَان”.
وَصَلَتْ سَيَّارَةُ الْإِسْعَافِ لِلْمُسْتَشْفَى، أَجْهَزُوا الْمُعَامَلَةَ، وَطَلَبَ جاك أَن يَأْخُذَنِي مَعَهُ، وَأَن أُكْمِلَ لَيْلَتِي عَلَى سَرِيرِي وَسَنُكْمِلُ سَهْرَتَنَا حَتَّى الصَّبَاحِ. أَخَذُونِي مَعَهُمْ، مَدَّدُونِي عَلَى سَرِيرِي، لُونَا وَضَعَتْ يَدَهَا تَحْتَ رَأْسِي الَّذِي كَانَتْ تَحْتَضِنُهُ لِيلِيت وَهِيَ تُرَدِّدُ: “بَابَا، خُذْنِي مَعَكَ”. دُمُوعُ لُونَا وَلِيلِيت وَجاك تَغْسِلُنِي. وَفَجْأَةً دَخَلَتْ عَائِلَةُ عازر، الْكُلُّ يَبْكِي وَيَلُومُ الدُّنْيَا وَيَصِفُونَهَا بِالْغَدْرِ، كَيْفَ يَكُونُ الرَّحِيلُ بِلَا مُقَدِّمَاتٍ؟ لِمَاذَا الْتَقَيْنَاهُ وَتَعَرَّفْنَا إِلَيْهِ وَتَعَلَّقْنَا بِهِ؟
فِي الصَّبَاحِ، اسْتَدْعَوْا شَيْخًا لِيَغْسِلَنِي، وَبَعْدَ الْغَسْلِ أَلْبَسُونِي الْأَبْيَضَ، ربطوني رأسي ورجلي بقطع قماش بيضاء ، وَسَارُوا بِي لِلْمَسْجِدِ. أَسْمَعُ الْمُصَلِّينَ وَهُمْ يَدْعُونَ لِي، شَيَّعُونِي، كُنْتُ أَتَفَقَّدُهُمْ وَأَسْأَلُ: أَيْنَ أَنْطُوَان؟ لِمَاذَا لَمْ يُوَدِّعْنِي؟ وَلَا أَتَلَقَّى الْإِجَابَةَ. يُدْخِلُونَنِي قَبْرِي، كُنْتُ أُخَاطِبُ جاك وَلُونَا وَلِيلِيت: “أَوْسِعُوا ضَرِيحِي، فَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي لَا أُطِيقُ الْأَمَاكِنَ الضَّيِّقَةَ”. هَالُوا عَلَيَّ التُّرَابَ وَمَضَوْا. كُنْتُ أَسْمَعُ صَوْتَ لِيلِيت تَقُولُ بِصَوْتِهَا الْمُتَحَشْرِجِ وَالْمَخْلُوطِ بِالْبُكَاءِ: “لَن أَتْرُكَكَ وَحِيدًا، سَأَكُونُ مَعَكَ كُلَّ يَوْمٍ لِأَطْمَئِنَّ عَلَيْكَ بَابَا ،غَادَرُوا وَبَقِيتُ وَحِيدًا، حَضَرَ كَائِنَانِ ضَخْمَانِ أَكْثَرُ مِمَّا تَسْتَطِيعُ عَيْنَايَ احْتِوَاءَهُ، لَمْ أَرَ مِثْلَهُمَا مِنْ قَبْلُ؛ كَائِنٌ وَسِيمٌ جِدًّا وَالآخَرُ مُخِيفٌ جِدًّا، وَبَدَآ بِسُؤَالِي.
الكائن الوسيم سألني أربعة أسئلة أجبت عليها بسرعة البرق، اسئلته لي كأنت أسهل من أسئلة المدرسة، بعد أن أجبته تأخر قليلا وتقدم الكائن الضخم والمخيف ، مأ أن رأيته حتى ارتعدت مفاصلي، اصابني رعاش شديد كمن يمسك بسلك كهرباء أو أشد وبدأ أسئلته، وقال عيناك هاتان اللتان نظرتا لأماليا واختها وأمها وللونا وأبنتها لماذا لم تغض الطرف ؟.
أجبت والكلمات تخرج متقطعة من شدة الخوف، كنت اراهن وأرى الاعجاز الالهي بتصويرهن، وعيوني كانت تسبح الخالق الرحيم، أما ليليت فهي ابنتي وان لم أنجبها، ووسواسات نفسك وما كانت تصور لك من معاصي، قلت هو حديث نفس لم يظهر ولم يشعر به غيري ، ومن ثم القرين الذي سخر لمرافقتي وكان يهمس لي ، فلم أطاوعه ولم يظهر شيء منه حتى على ملامحي.
فجأة اخْتَرَقَ وَحْدَتِي مَعَهُمَا أَنْطُوَانُ وَقَالَ: «شَفِّعُونِي فِيهِ، وَاسْأَلُونِي بَدَلًا عَنْه
نَهَرَهُ الكَائِنُ الوَسِيمُ وَقَالَ: «غَادِرْ فَوْرًا، فَلَا يَسْأَلُ إِنْسَانٌ عما يفعل آخَرَ، فَكُلٌّ مَسْؤُولٌ عَمَّا قَدَّمَتْ يَدَاهُ؛ غَادِرْ فَوْرًا يَا أَنْطُوَانُ أَوْ سَتُصْعَقُ بِجَانِبِهِ
يَا سَيِّدِي، لَمْ يُذْنِبْ أَوْ يَرْتَكِبْ خَطِيئَةً، أنا من سخره لفعل الخير..
رَدَّ الكائن الوَسِيمُ بِقَوْلِهِ: “نَعْلَمُ عَنْهُ مَا لَا تَعْلَمُ أَوْ يَعْلَمُ.
كيف غادرني أنطوان وكيف غاب عني ما زلت أسالني .
لَا أَدْرِي كَيْفَ حَضَرَتْ لِيلِيت لِتُقَبِّلَ جَبِينِي وَتَقُولَ: “فِيق بَابَا، السَّاعَةُ الثَّامِنَةُ إِلَّا رُبْعٌ”. قَبَّلْتُهَا وَقُلْتُ: “لِمَاذَا اخْتَصَرْتِ رُبْعَ سَاعَةٍ مِن نَوْمِي؟”. انْتَبَهْتُ لِي وَهِيَ تَقُولُ: “بَابَا، اشْرَبْ قَهْوَتَكَ، وَلَكِن… شُوبَكَ بَابَا؟ لِمَاذَا كُلُّ هَذَا الْعَرَقِ؟
قُلْتُ: “كُنْتُ أَحْلُمُ بِكِ، وَأَرْكُضُ خَلْفَكِ لِأَلْعَبَ مَعَ ابْنَةِ عُمْرِي .



