الموت وظلاله: قراءة في مجموعة “قد يكون وهما” للقاصة حنان باشا
رؤية: منذر كامل اللالا

رؤية: منذر كامل اللالا
“حين نُعي إلى الزير سالم موت أخيه كُليب، لهول الصدمة، سألهم: هل مات كُلّه؟”
في زمن تتسارع فيه الوقائع وتتناثر فيه التفاصيل في هدير النشرات والتقارير، يبقى فن القصة من أعمق الوسائط القادرة على النفاذ إلى جوهر التجربة الإنسانية؛ فهي أداة لاستعادة ما يتسرّب من الذاكرة، وما لا تلتقطه الصور ولا تنقله الوقائع، إذ يعيد بها الإنسان تشكيل واقعه عبر التسلل إلى الهامش، إلى اللحظات الصغيرة التي تصنع المأساة دون ضجيج.
ضمن هذا السياق، تبرز مجموعة ” قد يكون وهما ” للقاصة حنان باشا، الصادرة بدعم من وزارة الثقافة الأردنية، وتضم عشرين قصة تشترك جميعها في التقاط لحظة الضعف والهشاشة التي يمر بها الإنسان، والمرأة بشكل خاص.
وما يميز المجموعة ويمنحها عمقها هي تلك الإضافات الفنية التي أخرجتها من قالبها الرتيب: اللغة الشعرية الإنزياحية وصورها الاستعارية كبديل عن لغة السرد الاعتيادية، إلى جانب الوعي الفلسفي الذي يُنضج النص من الداخل. وهذا ما نلمسه بوضوح في هذه المجموعة، أجادت الكاتبة سرد وقائع الموت، وغلّفته بلغة شعرية تحوّل المشهد اليومي العابر إلى لوحة تأملية مكثفة الدلالة، محافظة بذلك على أصول هذا الفن، بينما تجعل من إضافاتها الحداثوية جزءا عضويا من بناء النص لا زخرفا مقحما عليه، وتتجلى هذه الرؤية بوضوح في قصة ” يذوي مرغما”، حيث تختار الكاتبة أن تُدخلنا إلى عالم الموت لا من بابه الواسع، بل من نافذة صباح عادي لا يوحي بشيء.

“يذوي مرغما”: الموت بوصفه انطفاء مباغتا، تفتتح حنان باشا هذه القصة بمشهد يومي هادئ، امرأة تمارس طقوسها الصباحية وسط تفاصيل بسيطة توحي بالاستمرار: ” هو صباح رتيب لامرأة تشبهها، هدوء مألوف… عصافير الدوري وهي تعيد ترتيب أعشاشها… ورائحة اللافندر تفوح من أرضية الحمام”. ولا أخفي أن هذا المدخل استوقفني أكثر من غيره؛ فكان يمكن للقاصة أن تبدأ من نذير خفي، إشارة صغيرة تُنذر القارئ بما سيأتي كما تفعل كثير من نصوص الفجيعة، لكنها اختارت العكس تماما: هدوءا مطلقا لا ثغرة فيه، وكأنها تراهن على أن الصدمة تكون أعمق كلما جاءت من عدم متوقع، وفي لحظة عابرة تتكشف اللحظة الفاصلة: “تلتفت، تتعثر بالسلك فيطيح بكأس الماء… هي لا تذكر متى أنهت آخر ما عليها”، فهذه اللقطة الخاطفة هي ما يفسر لاحقا هول ما حدث.
بعد لحظة التحول، ينتقل الجسد من أداة للفعل إلى موضوع للعجز: ” كل شيء أمامها غير واضح… باردة ثقيلة عارية… غير قادرة على الحركة… ماء ينسكب وينسكب”، فالشخصية تعيش منطقة فاصلة بين الإدراك والغياب. وتبلغ القصة ذروتها حين تستعيد المرأة آخر ما كان يشغلها لا الحدث الذي أنهى حياتها: “الصغار أين هم؟ وقت المدرسة، لم أنته بعد من تحضير الغداء!… السلك المشدود…”، وهنا بالذات أجدني أميل إلى القول إن هذا الاختيار هو أذكى ما في القصة؛ فبدل أن تصف القاصة رعب اللحظة الأخيرة، اختارت أن تصفها بغيابه، بأن تجعل الموت يتوارى خلف قائمة تسوق ووجبة غداء ناقصة. فالأطفال ومسؤوليات البيت الصغيرة هي ما يبقى حاضرا في الذاكرة، وكأن الإنسان يبقى متعلقا بحياته اليومية حتى آخر لحظة، في مسافة دقيقة تفصل الحياة عن الفقد، لا تتجاوز ومضة كهرباء لكنها كافية لتبدد عالما كاملا.

” رحيل مبكر”: حين يتحول الموت إلى يتمٍ مؤجل، تغادر القاصة هنا مشهد الموت الفردي إلى أثره الإنساني؛ فالمأساة لا تكمن في وفاة الأم وحدها، بل في الطفل الذي سيحمل فراغا لا يعرف اسمه بعد. تبدأ القصة بحياة نابضة: “لعلها كانت تدندن، والماء يتدفق بقوة… تحمل خرطوم الماء بحركة مسرحية كمن يحمل مايكروفونا… تغرغر ضاحكة”، وأجد أن اختيار هذا المشهد بالذات ليس عشوائيا؛ فقد كان بإمكان القاصة أن تفتتح القصة بمشهد أكثر جدية يليق بثقل ما سيأتي، لكنها فضّلت أقصى درجات المرح والعفوية، وكأنها تريد أن تجعل السقوط أشد وطأة كلما ارتفع الارتفاع الذي بدأت منه. وبين الماء الذي يرمز إلى الحياة والكهرباء التي ستنهيها، تصنع القاصة إحدى أكثر مفارقات المجموعة تأثيرا.
وتبلغ القصة ذروتها حين تستخدم الأم آخر قوتها لا لإنقاذ نفسها بل لتحذير طفلها: “نبضة أخيرة ودعت الصغير الذي لن يدرك حجم يتمه… تستجمع آخر قواها وتحذره: لا تقترب… اذهب لجدتك”. ولعل ما يمنح هذا المشهد قوته ليس الفعل ذاته، بل توقيته؛ فالأمومة هنا لا تُختبر في لحظة هدوء أو تأمل، بل في أضيق نافذة زمنية ممكنة، حين لا يبقى من الجسد سوى نبضة واحدة يُراد لها أن تُستثمر في غير نفسها. وهكذا يتحول الموت إلى اختبار أخير للأمومة تغدو فيه أقوى من الموت نفسه، فالموت هنا لا ينهي الحكاية، بل يفتح حكاية أخرى سيعيشها الطفل في ظل غياب أمه.
” ما بعد الصورة “: كشفٌ لموت العلاقة قبل موت الإنسان، تقدم الباشا هنا الموت من زاوية مختلفة؛ فهو مواجهة متأخرة مع علاقة زوجية فقدت روحها منذ زمن طويل. توظف القاصة صورة معلقة مائلة على الجدار كرمز للعلاقة المختلة: ” كل مرة كانت تعدل الإطار المعوج، لكن الصورة تستمر في ميلانها… سنوات مضت على هذه الحال”، فالموت هنا حاضر قبل وقوعه، ولم يبق من العلاقة سوى غلاف يستر التصدع.

وفي تأملها لملامح الزوج الراحل تطرح المرأة سؤالا قاسيا: “أكان عاديا عندما أحبته واندفعت نحوه… أكان الرجل ذاته؟”، فالفقد الحقيقي أحيانا ليس فقد الشخص، بل فقد الزمن الذي لا يعود. وهنا بالذات أجد نفسي أمام أكثر أفكار المجموعة نضجا؛ فليست كل قصص الفقد سواء، وباشا تدرك أن فقد الزمن أقسى أحيانا من فقد الجسد، إذ تبلغ القصة ذروتها في عبارة: “لا شيء يعادل في انتظاره العمر الذي مضى ولن يعود”، وهذه الجملة وحدها، لو أُخذت بمعزل عن سياقها، تصلح عنوانا لفلسفة الفقد كاملة في هذه المجموعة. ليصبح الموت هنا ظلا يلاحق الإنسان عبر الندم والأسئلة المؤجلة، لا عبر الحزن المباشر..
“ضوء آخر النفق”: الموت كخلاص وحضور بعد الغياب، هنا تمنح القاصة الموت بعدا روحانيا مختلفا؛ فهو ليس نهاية قاطعة بل انتقال، والأم المنهكة لا تجد الراحة التي بحثت عنها إلا في لحظة الرحيل، وأعترف أن هذا الخيار يضع القاصة أمام مجازفة فنية حقيقية؛ إذ كان يمكن لفكرة “الموت كراحة” أن تنزلق بسهولة نحو مباشرة وعظية، لكنها نجت من هذا الفخ بربط الراحة فورا بنقيضها: فحتى بعد الرحيل يخترق سكون الأم نداء ابنتها، وفي أكثر مشاهد المجموعة تأثيرا، تحاول الاقتراب منها فتعجز، فيما تزداد المسافة بينهما مع كل دورة نحو النور، في مأساة الوعي الذي يرى دون أن يستطيع اللمس. وتختتم القصة عند شاهد قبر يحمل اسم الأم، لتؤكد أن الرحلة الروحية تقود إلى حقيقة الغياب، لكنه غياب لا يمحو الأثر ولا الأمومة.
” صمت العنادل “: موت الطفل وانكسار غناء الأمومة، في أشد قصص المجموعة فجيعة، يختطف الموت كائنا لم يبدأ رحلته بعد. تصف القاصة مأساة الأمومة حين يصطدم غريزة العطاء بقسوة الفقد: ” كيف لامرأة أن تطفئ نار ثديها العامر بالحليب… ألا يعلم أن الرضيع قد لا يعود؟ “، فالحليب هنا رمز لحياة بقيت في جسد الأم بعد أن فقدت من كان يستحقها.
وتبلغ القصة ذروتها في لحظة الإدراك: ” صوتها الباكي يرافق حشرجات أنفاسها: لا ترحل! لكنه رحل وقد بنت له جناحان فضيان وطار” ، في صورة تمنح الرحيل بعدا تراجيديا يتجاوز الاختفاء إلى انتقال مؤلم، وتختتم القاصة بعبارة مفتاحية: ” فصمت العنادل لا يعني بأنها لم تعد تُحسن الغناء”، لو طُلب مني اختيار جملة واحدة تختصر هذه المجموعة القصصية بأكملها، لاخترت هذه الجملة بالذات. فالصمت، كما تفهمه باشا، ليس نقيض الغناء بل شكل آخر منه؛ غناء انسحب إلى الداخل ولم يعد يُسمع، لكنه لم يتوقف.
ما يميز “قد يكون وهما” هو أن حنان باشا لا تكرر الموت في صورة واحدة، بل تفككه إلى أوجه متعددة: مباغتة، وانهيار داخلي، واختبار للأمومة، وكشف لعلاقة ميتة، وانتقال روحاني، وفقد طفل. وفي كل قصة، لا يظهر الموت خاتمة، بل مرآة تكشف هشاشة الإنسان وقوته في آن، وتُبقي الحياة حاضرة حتى في لحظة انطفائها. وهنا تكمن الإجابة الضمنية عن سؤال الزير سالم القديم: لا، لا يموت الإنسان كله؛ فثمة دائما ظل يبقى، في ذاكرة من أحبوه، وفي الأثر الذي تركه خلفه.



