أخبار عاجلةأراء حرةالرئيسية

اللقطة والسقطة بقلم الكاتب والإذاعي شريف عبد الوهاب

 

أكد له أحد المقربين، أو ربما أكثر من واحد، أن تركه مكتبه في المحافظة، والنزول إلى الميدان محاطًا بالكاميرات، وهو يتفقد المدارس، ستكون لقطة تُحسب له.
قالوا له إن الناس تحب المسؤول الحازم، وإن الكاميرا تحب أكثر المسؤول الذي يغضب، ويوبخ، ويصدر الأوامر.
ستجد بالتأكيد قصورًا كثيرًا، وحينها يمكنك أن تعاقب هذا، وتنقل ذاك، وربما ترفد ثالثًا.
المهم أن تكون كلماتك قاطعة، ونظراتك حادة، ونبرتك لا تحتمل النقاش.
كان المطلوب ببساطة أن تظهر أمام الكاميرا كالرجل الذي يمسك بيده سيف المحاسبة، يقطع به يد المقصر، ويعلن أن لا أحد فوق القانون.
وفي الوقت نفسه، ستكون قد أرسلت رسالة أخرى إلى من هم أعلى منك:
أنا أتابع… أنا أحاسب… أنا أنفذ التعليمات.
لكن لا بد من صورة تثبت ذلك.
ولهذا اصطحب معه فريقًا من المصورين، وبعض الهواتف المحمولة التي لا تكاد تتوقف عن التصوير، لتنتقل جولته مباشرة إلى مواقع التواصل الاجتماعي.
اختار ملابسه بعناية.
أفخر قميص، وأجمل بدلة، وربطة عنق اختارها بعناية أيضًا.
فالمسؤول حين ينزل إلى الشارع لا ينزل وحده…
تنزل معه صورته.
دخل المدرسة الأولى.
نظر حوله، ثم طلب مدير المدرسة.
ظهر أمامه رجل يرتدي جلبابًا بسيطًا.
تأمله المسؤول من أعلى إلى أسفل، ثم قال بنبرة تحمل شيئًا من الاستعلاء:
— أنت مدير المدرسة؟
— نعم يا فندم.
نظر إلى الجلباب مرة أخرى وقال:
— وما هذا الجلباب؟ هل هذا هو الزي الجديد لمديري المدارس؟
ثم تركه خلفه، ومضى إلى الأمام، وكأنه وجد أخيرًا أول خيط في اللقطة التي جاء من أجلها.
لكن الرجل لحق به، وهو يجر جلبابه خلفه، وقال:
— يا فندم… لحظة واحدة.
التفت إليه المسؤول.
قال المدير:
— لا يوجد عمال نظافة في المدرسة.
صمت المسؤول.
وأكمل الرجل:
— طالبنا بهم مرارًا وتكرارًا، وأرسلنا الخطابات والطلبات، ولم يستجب لنا أحد. فماذا أفعل؟
وأشار إلى ملابسه:
— خلعت البدلة وارتديت الجلباب حتى أستطيع أن أنظف المدرسة بنفسي.
لم يجد المسؤول ما يقوله.
فاللقطة التي كان يبحث عنها انقلبت عليه.
مدير المدرسة الذي كان يمكن أن يكون «مقصّرًا» أمام الكاميرات، ظهر فجأة في صورة مختلفة تمامًا:
موظف ينظف مدرسته بيديه.
وهكذا كان لا بد من الرحيل.
فاللقطة لم تأتِ.
انتقل إلى مدرسة أخرى.
وهناك…
وجد ضالته.
أكوام من القمامة، وفصول تحتاج إلى صيانة، ومظاهر إهمال تصلح تمامًا لمشهد غاضب.
ارتفعت نبرته.
اشتعل غضبه.
بدأ يوبخ مديرة المدرسة أمام الكاميرات.
كانت هذه هي اللحظة التي جاء من أجلها.
الكاميرات تعمل.
الهواتف تصور.
والمشهد جاهز.
قال لها بحسم:
— هذا لا يليق بمدرسة! كيف تتركين المكان بهذه الصورة؟
حاولت المديرة أن تشرح:
— يا فندم… لا يوجد عمال نظافة.
قاطعها:
— عدم وجود عمال نظافة لا يعني أن يقوم الطلاب بإلقاء بقايا الطعام داخل الفصول! ولا يعني أن تظل الدراسة بهذه الصورة! نحن نعلم أبناءنا النظافة والانضباط.
سكتت لحظة.
ثم نظرت إليه بثبات.
وقالت:
— يا فندم… أنا فعلت أكثر مما أستطيع.
توقف.
قالت:
— أنا أدخلت الكهرباء إلى المدرسة على حسابي الخاص.
ثم أضافت:
— وأدخلت المجاري أيضًا من مالي الخاص، بعد أن أرسلت عشرات الطلبات، ولم يستجب لي أحد.
بدأت ملامح المشهد تتغير.
فلم تعد الكاميرا تعمل لصالحه كما كان يتصور.
قال مستنكرًا:
— أنتِ عايزة تفهميني إنك بتصرفي على الحكومة؟! الكلام ده يدخل عقل طفل؟
لم تجادله.
لم ترفع صوتها.
فقط قالت:
— لحظة يا فندم.
ثم أسرعت إلى مكتبها.
عادت تحمل مجموعة من الأوراق.
وضعتها أمامه.
طلبات رسمية.
مخاطبات.
إيصالات.
مستندات.
كل ورقة منها كانت تقول شيئًا واحدًا:
لقد طلبت… ولم يستجب أحد.
حاول أن يجد مخرجًا.
قال:
— وكيف تحتفظين بهذا المستند؟
قالت بهدوء:
— هذه صور طبق الأصل.
ثم أضافت:
— أما الأصل… فهو موجود لديكم.
هنا لم تعد الكاميرات مجرد كاميرات.
تحولت إلى شاهد.
لم تعد تنقل «لقطة» لمسؤول غاضب يحاسب مقصرين.
أصبحت تسجل لحظة انكشاف الحقيقة.
الحقيقة التي حاولت البدلة وربطة العنق والكلمات الحادة أن تخفيها.
كان يريد أن يصنع لقطة…
فصنع سقطة.
لم تكن السقطة في كلمة قالها.
ولا في قرار اتخذه.
كانت السقطة في أنه نزل إلى الميدان يبحث عن مقصرين، ولم يفكر لحظة أن يسأل:
ومن قصّر قبل أن أصل؟
كان يبحث عن موظف يحاسبه أمام الكاميرا، بينما كانت الكاميرا نفسها تكشف موظفين حاولوا أن يصلحوا ما أفسده الإهمال.
مدير مدرسة يخلع بدلته وينظف مدرسته بيديه.
ومديرة تنفق من مالها الخاص حتى توفر لأطفالها كهرباء ومرافق أساسية.
وفي المقابل…
مسؤول يبحث عن صورة.
وهنا تكمن الحكاية كلها:
ليست المشكلة في أن ننزل إلى الشارع.
وليست المشكلة في أن نحاسب المقصر.
المشكلة حين يصبح الهدف من النزول إلى الشارع هو صناعة صورة، لا صناعة حل.
فاللقطة الحقيقية ليست أن تقف أمام الكاميرا غاضبًا.
اللقطة الحقيقية أن تصلح الخلل الذي لم تصوره الكاميرا.
واللقطة الحقيقية ليست أن توبخ موظفًا أمام الناس.
بل أن تسأل نفسك أولًا:
هل كان هذا الموظف يملك الأدوات التي تمكنه من أداء عمله؟
أما أخطر السقطات…
فهي تلك التي نظنها لحظات انتصار أمام الكاميرات، بينما تكون الكاميرات نفسها هي التي تسجل لحظة سقوطنا.
كان يريد لقطة…
فمنحته الحقيقة سقطة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى