أخبار عاجلةالرئيسيةدراسات ومقالات

محمد رضوان يكتب عقيدة الصمود ورهان التنمية

كيف تحولت سيناء من ساحة حرب إلى قلب الجمهورية الجديدة

 

تشرق شمس الخامس والعشرين من أبريل من كل عام حاملةً معها عبق الكرامة ونسائم العزة، حيث يحتفل الشعب المصري بذكرى “عيد تحرير سيناء”؛ تلك البقعة الغالية التي تمثل قلب مصر النابض، وحصنها المنيع جهة الشرق. إنها حكاية وطن أبى أن يترك جزءاً من جسده تحت نير الاحتلال، فخاض من أجلها معارك الشرف فوق الرمال، ومعارك الدبلوماسية في ردهات السياسة، حتى عاد الحق لأصحابه كاملاً غير منقوص، لتمثل سيناء نموذجاً فريداً للمكان الذي يصنع التاريخ، فهي حلقة الوصل بين قارات العالم القديم، وهي الأرض التي شهدت تجلي الخالق وتلقي الرسالات، وهذه الأهمية الاستراتيجية جعلتها مطمعاً عبر العصور، لكنها ظلت دائماً مقبرة للغزاة وصخرة تتحطم عليها أوهام المعتدين.

حين نتحدث عن سيناء، فنحن نتحدث عن مساحة تعادل في قيمتها الوجدانية والاستراتيجية الوطن كله، حيث كانت حرب أكتوبر 1973 هي الشرارة الأولى التي أعادت صياغة الواقع في المنطقة، تلك الحرب التي أثبت فيها المقاتل المصري أن الإرادة أقوى من التحصينات، وأن الإيمان بالحق هو السلاح الأمضى، وقد مهد هذا النصر العسكري الطريق لعملية سياسية معقدة، أثبتت فيها مصر أنها تمتلك من الحكمة ما يوازي قوتها العسكرية، حيث استطاعت عبر مفاوضات “كامب ديفيد” ومعاهدة السلام أن تفرض واقعاً جديداً يضمن استعادة الأرض مع الحفاظ على الكرامة الوطنية، فاستعادة سيناء لم تكن وليدة صدفة، بل كانت نتاجاً لسنوات من الصمود الشعبي والعسكري، فمنذ لحظة الاحتلال في عام 1967، بدأت مصر معركة بناء الذات، حيث خاضت “حرب الاستنزاف” التي كانت بمثابة مدرسة قتالية أرهقت العدو وأكدت له أن البقاء في سيناء سيكون ثمنه باهظاً.

تجلي عظمة التخطيط المصري ظهر في كيفية التنسيق بين الجبهات الداخلية والخارجية، وبين فوهات المدافع وحنكة الدبلوماسيين، وفي يوم 25 أبريل 1982، كان العالم على موعد مع مشهد مهيب، حين ارتفع العلم المصري فوق شبه جزيرة سيناء، معلناً خروج آخر جندي محتل من أرضها، لتكون تلك اللحظة هي التجسيد الحي لمقولة أن الحقوق لا تسقط بالتقادم، ولم تكتمل هذه الفرحة إلا بمعركة قانونية أخرى لاستعادة “طابا”، حيث خاضت مصر معركة “الوثائق والخرائط” أمام المحاكم الدولية لتثبت حقها في كل شبر، حتى عاد العلم المصري ليرفرف فوق طابا في مارس 1989، لتبدأ بعد عقود من استعادة الأرض مواجهة تحديات من نوع آخر، تمثلت في محاولات قوى الظلام النيل من استقرارها، وهنا بدأت ملحمة ثانية لا تقل أهمية عن ملحمة التحرير، وهي معركة “تطهير سيناء من الإرهاب” بالتوازي مع معركة “التنمية الشاملة”.

لقد أدركت الدولة المصرية أن الفراغ هو العدو الأول للأمن، فكان القرار الاستراتيجي بتعمير سيناء وربطها كلياً بالوادي والدلتا، ونشهد اليوم ثورة عمرانية وتنموية غير مصفوقة، حيث تم إنفاق مئات المليارات من الجنيهات لتحويل هذه البقعة إلى مركز جذب سكاني واقتصادي، ومن أبرز ملامح هذه التنمية إنشاء شبكة الأنفاق والجسور التي أنهت عزلة سيناء الجغرافية، حيث أصبحت الأنفاق أسفل قناة السويس هي الشرايين التي تضخ الحياة والسلع والبشر في دقائق معدودة، بالإضافة إلى المشروعات الزراعية الضخمة مثل محطة بحر البقر لمعالجة المياه، والتي تهدف لاستصلاح مئات الآلاف من الأفدنة، لتحويل الرمال الصفراء إلى جنات خضراء تسهم في تحقيق الأمن الغذائي المصري، بالتوازي مع بناء المدن الجديدة مثل “الإسماعيلية الجديدة” و”سلام مصر” بشرق بورسعيد، والتي صُممت لتكون مدناً ذكية تستوعب ملايين المواطنين، وتوفر فرص عمل في مجالات الصناعة والخدمات اللوجستية، وتطوير الموانئ والمطارات لربط سيناء بحركة التجارة العالمية.

لا تقتصر أهمية هذا العيد على الجوانب السياسية والعسكرية فحسب، بل تمتد لتلمس وجدان كل مصري، فسيناء هي الأرض التي ارتوت بدماء الشهداء من كل بيت في مصر، وهي الأرض التي يحتضن أهلها من قبائل سيناء الشريفة تاريخاً طويلاً من الوطنية والبطولة، وإن دمج أبناء سيناء في نسيج التنمية الشاملة هو الضمانة الحقيقية للأمن القومي، وهو ما تفعله الدولة الآن عبر بناء المدارس، والمستشفيات، والجامعات الكبرى لتمكين الشباب السيناوي من قيادة مستقبل أرضهم، فالرؤية المصرية لسيناء اليوم تقوم على فلسفة “الأمن من خلال التنمية”، حيث المصانع التي تُقام، والمزارع التي تُطرح، والبيوت التي تُبنى، هي حوائط الصد الحقيقية ضد أي فكر متطرف، وهي رسالة للعالم بأن سيناء هي “قلب التنمية” في مصر المستقبل، واحتفالنا اليوم هو احتفاء بالذات المصرية التي لا تعرف المستحيل، ويوم لنتذكر فيه تضحيات جيل أكتوبر، ونستلهم منه القوة لمواجهة تحديات الحاضر، فسيناء اليوم بطرقها الممهدة ومزارعها الواعدة تقف شاهدة على أن مصر قادرة على حماية مقدراتها، وستبقى دائماً “أرض الفيروز” التي تلمع في جبين الوطن، تذكرنا بأن الحرية تُنتزع انتزاعاً، وأن الحفاظ عليها يتطلب عرقاً وتخطيطاً لا ينقطع، لتبقى مصر دائماً واحة للأمن والأمان، وتظل سيناء درعها وسيفها ومنارة مستقبلها المشرق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى