أخبار ثقافيةأخبار عاجلة

أ.د مصطفى لطيف عارف جمالية الوصف السردي  في قصة  (العصا المقدسة ) لمنال رضوان

ولعل عنوان القصة القصيرة  ( العصا المقدسة ) يعد من أهم مفاتيح الدخول إلى عالمها الفني , واستكشاف مكامنها , وسبر أغوارها , وإنارة الأماكن المظلمة فيها , بل حتى الغموض المهيمن عليها , أو على بعض أجزائها ينجلي حينما نلجأ إلى العنوان وندرس بنيته , فيصبح عونا على فهم التركيب الأكثر غموضا وإيهاما من اجل الوصول إلى الدلالة الاشمل في النص القصصي  , واستيعابه ,ولم يخطئ محمود عبد الوهاب حينما سمى العنوان ثريا النص لتألقه , وتشظيه وإنارته للنص , ويعد العنوان منبها أسلوبيا لا يستهان به في النص لما يحمل من بنية دلالية , والنص له دلالته ولغته الخاصة ذات الإبعاد المتعددة, التي توضحها المبدعة,  (منال رضوان) بقولها :-  كان نظري مثبتًا نحو تلك العصا ذات الرأس العاجي المستندة إلى حافة المقعد الشاغر دائمًا في نادينا العتيق، كنت أتابعه بحكم الاعتياد أو الضجر لا أعرف،  لم يكن يتكلم كثيرًا، بل يمرر ابتسامته كل حين لمن يلوح إليه محتفظًا بإيماءة مُجَامِلة لسيدات الطاولة الأكثر إزعاجًا واللاتي يخرمشن وجه الشتاء الدافىء بصخبهن ويغلفن بضحكاتهن آذاننا؛ فلا نسمع صوت البندول النحاسي للساعة الأثرية الضخمة المثبتة أعلى المدفأة في منتصف القاعة، هي الساعة ذاتها التي لم يجرؤ مدير النادي على ضبط إيقاع دقاتها؛ فيمنعها عن الوصول متأخرة عشر دقائق كاملة كل يوم.

وهنا  الذي يشرف النص لا ليضيء ما يعتم منه فحسب ,بل ليوجه القراءة كلها , وهذا ما يفهمه شعراء الحداثة من فلسفة العنونة , وعد العنوان في الدراسات النقدية الحداثوية  بنية نصية وليس لافتة مجردة من الدلالة فهو قراءة نصية تستوقف وتوجه بقدر محمولها ذاته , وما تتشكل منه في عملية الكتابة أولا,ومن ثم فهو  في أضاءته السبيل التي تتناغم مع القراءة, واعتلائه صهوة النص يسمح بنشر النور اللازم لتتبع الدلالات الحافة للنص ثانيا ,وإذا ما تطرقنا إلى  الزمن في القصة القصيرة (العصا المقدسة) نجدها  محور العملية الجدلية التي تقوم بتوظيف الأفكار والرؤيات , والتصورات المندرجة ضمن خصائص كل عصر لتميزه عن غيره من العصور ,إذ به يكشف عن آفاق التجارب الإنسانية التي يمكن أن تقف معطياتها عند حد معين , إنما تسعى للبقاء في استمرارية تنأى بها عن الوقوع في ثبات دائم , وذلك عبر إدراكها ضمن بنيات التحول المحتضنة لها , والمتجسدة في مركبه المتناوب الأبعاد , إذ ما من شيء إلا ناله الزمن بجانب من التغير والتبدل , بل إن الزمن هو التغير عينه , وبدونه تبور الحركة وتنعدم الحياة , فنراها تقول :- يبدو لطيفًا وهو يحتفظ بالكثير من الحلوى؛  يمنحها إلى الأطفال في ود بالغ، لم يكن ينفعل أو يغضب، حتى صوته.. لا يزداد صوته غلظة إلا عند توبيخ أحدنا للصبية ومحاولة منعهم عن الصراخ، كان ينهانا عن ذلك ويطالبنا بمنح الصغار الكثير من الحرية. الحرية.. كثيرًا ما أجده يتكلم عن الحرية، أكاد أجزم أنها القيمة الوحيدة التي يعتنقها،  كان ذلك قبل أن يتندر أحدهم مازحًا بملء مرارته:

إن هذا الثمانيني الضخم كان مديرًا لأحد أعتى المعتقلات، وقد أعفي عن منصبه نتيجة تورطه في قضية أدانته بالتعذيب، لكنه وبعد تلك السنوات مازال يؤكد تعرضه لمؤامرة وأنه في خدمة الوطن كل حين 0

برزت المبدعة والقاصة الرائعة  (منال رضوان) , وللساعة الواحدة , وللنادي الواحد  , وللرجل الدكتاتور ,صورتين , صورة الماضي , وصورة الحاضر , وستبدو الصورة الأولى القديمة هي الأكثر تأثيرا, فيما ستبدو الصورة الثانية بائسة , وليس السبب مردودا على الزمن وإحداثه وظروفه المريرة 0

وأعود للحديث  عن الوصف  السردي عند الروائية والقاصة المبدعة الدكتورة (منال رضوان)  في قصتها الرائعة  (العصا المقدسة), وهي تسرد لنا سلسلة الأحداث  التي عاشتها القاصة في المكان الأليف ( النادي العتيق)  و لشد ما يؤلمها  وصف الأحداث التفصيلة بصورة جمالية تجعل المتلقي يعيش معها كل الأحداث والظروف التي مرت بها , وعلى الرغم من الرمزية في أحايين كثيرة لكنها أجادت في  الوصف السردي وبدقة متناهية , فنراها تقول :- – ذلك التجاوز بإبداء الآراء لا يعد من قبيل الحرية، أنا أحمل جهازًا صغيرًا لتسجيل تخريبهم الهامس، ها هو.أفقت، فإذا به يخرج جهاز “باناسونك” كان قد توارى بين كتله الشحمية وطيات ملابسه، ملوحًا به إلى أحد الأعضاء…لم أعرف كيف انتهت تلك المشادة الكلامية التي جرت بينهما، لكنه عاد ومنح الصغار قطع الحلوى وأفرط في إيماءات المجاملة لسيدة ما تتصدر طاولة النساء.ما ألقاه الرجل أمامي من مفاجآت أصابني بحال من الشرود لم تبارحني إلا عقب صراخه في أحد الأشخاص الذي حاول توبيخ الصغار…- امنحوهم الحرية لاختيار الأطعمة التي يريدونها، ألا تفهمون؟

  تميز أسلوب القاصة (منال رضوان)   بأسلوب تحيل الكتابة  إلى فن  الوصف بكل تفاصيله, أرادت  لقصتها ( العصا المقدسة )  المغايرة عن عادة كتاباتها الشعرية بالافتراق عنها خارج الشعر, وخارج الأشكال ,والتقنيات التي الفت الكتابة بها في إصداراتها السابقة  ,حيث اللغة هنا بأبسط أشكالها , فنراها تقول :-  الرجال هنا يتلاحقون في رفع العصا وإسنادها إلى المقعد بالاحترام اللائق إذا أسقطها مرة بعد مرة، لا أعرف سببًا لانشغالي بأمر كهذا، لكنني كنت أختلس النظر إليه من خلف كتاب، فإذا به يتعمد إسقاطها كلما مر أحدهم إلى جواره!

كان الجميع يتسابقون نحو العصا، أدركت بمرور الوقت أن جميعهم يدركون ما يفعله ويجيدون التصرف حيال لعبة العصا، ولعلهم يعرفون أنه وإن أعفي من منصبه؛ إلا أنه يحمل مكانة يمكنها أن تؤرقهم لعدة أيام قادمة، فيؤثرون السلامة ورفع العصا بالاحترام الواجب.. لا أعرف، ربما.تأخر اليوم عن موعده كثيرًا، انتظرته.. ولا أعرف سر هذا القلق الذي انتابني، حتى رأيته يمشي بخطواته المترهلة ويجلس إلى مقعده، مستندًا إلى عصاه قبل أن يفلتها عند اقتراب النادل، لم أطل النظر إليه؛ فكل ما يشغلني شكل الرأس العاجي العجيب وعجزي عن معرفة اسم هذا الحيوان الذي يحمل رأسًا صغيرًا ويلتف حوله جسد ضيئل، فيشكل كرة عاجية لجسم آدمي ورأس هذا الحيوان الخرافي.

إن ما كتبته المبدعة (منال رضوان )   هو تسجيل بأقل ما يمكن من الصفة الأدبية واقل منها الشعرية لكي تقترب أكثر من هذا الواقع الذي اعتقد انه بمجرد تصويره يحتوي على أبعاد شعرية إنسانية وتاريخية على مستوى كبير من الأهمية , لان التاريخ يكتب الآن ,وليس هناك مؤرخون مكلفون وحدهم بكتابة التاريخ ,كلنا نكتب التاريخ ,والتاريخ الحديث هو محصلة كل الكتابات , فكانت عينا القاصة  عدسات لرؤية صور مأساوية تنقلها إلينا الراوية  بريشتها كفنانة محترفة  , فنراها تقول :- أفقت مرة أخرى من شرودي اللعين، فإذا بهم يهرولون من حولي محاولين حمل جسده الثقيل إلى سيارة الإسعاف، لم أتحرك من جلستي إثر صدمتي؛ كيف يمكن أن يتألم مثل هذا الرجل، كذلك هم كانوا يحملون الكثير من أمارات التعجب وعباراته، لكن هذه المرة لم يتحرك أحدهم لرفع العصا وإسنادها إلى المقعد الشاغر بالاحترام الواجب.

أوبرا مصر – دراسات ومقالات

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى