أخبار عاجلةدراسات ومقالات

أ.د مصطفى لطيف عارف يكتب الحور في ( جرأة للفرح ) لمحمد ياسين صبيح

– الحوار هو الكلام الذي يتم بين شخصيتين أو أكثر ,كما أن الحوار في القصة يتجه صعودا أو هبوطا نحو خطابات الآخرين في إطار ما تطرحه مجموعات الخطابات من علاقات اجتماعية,ورؤياوية,وخصائص أسلوبية متنوعة,ومن هنا تصبح لغة السرد في الحوار تتسم بحركة الأنا,والآخر في آن داخل التشكيلات الحوارية,إن الحوار لا يرقى بنفسه ,ولا يضع مؤشرا بنفسه,وإنما من خلال اصطراعه مع صوت الآخر قربا أو بعدا, نلحظ اللغة السردية هنا في (جرأة للفرح ) تختلف عن لغة الشعرية عند الأديب محمد ياسين , فهي هنا بسيطة , منتبهة , حالمة أحيانا ,وخالية مما يعتري الشعر من ترميز , وإيحاءات , ويبدو لي أن الأديب أراد أن يكتب شيئا خارج المألوف , وربما أراد الخروج من كل الأشكال , والتقنيات التي ألفه الكتابة بها ,وارد للغته أن تظل عارية تماما لتعكس بكل دقة,وحرفية حتى مملة ربما كل ما يراه:
جلس قبالتي وقال :
لماذا تلبس حلمك بالمقلوب ؟
استغربت , ورميت الجريدة عن صدري
شعرت بالبرد
يمكن القول في إن تقنية الحوار عنصر تكويني مهم في بناء القصة القصيرة جدا وهو وسيلة بيد القاص الجيد، تجسد رؤيته للكون وإحساسه بالحياة، ومهارته في رسم أبعاد شخصياته القصصية وإمكاناته الفكرية وقناعاتها, وهي مهمة للقارئ الذي يعتمد إقباله على قراءة المجموعة القصصية على جاذبية الحوار وقدرته على الإقناع والإثارة، ومن هنا يتنوع الحوار القصصي ، ويتعدد وفقاً لقربه من الحدث أو بعده عنه، ووفقاً للوظيفة البنيوية التي يؤديها للسرد, وأن للحوار أهمية كبيرة في بنية( جرأة للفرح )، فهو من أبرز التقنيات السردية للتعبير عن الذات وعن الوعي الاجتماعي بكل تفاعلاته المختلفة وبكل تناقضاته أيضاً, أن الحوار في مجموعته القصصية يأتي على صورتين: حوار خارجي وحوار داخلي، فالحوار الخارجي هو الذي يدور بين الشخصيات المختلفة بصوت مسموع مباشر، والحوار الداخلي هو الذي أورده الراوي محاوراً ذاته بضمير المتكلم أو المخاطب أو الغائب لتقديم المحتوى النفسي للشخصيات، فضلاً عن تقديم المحتوى النفسي للكاتب ذاته والإفصاح عن دواخله ,ونستطيع القول أن الاديب محمد ياسين استطاع أن يبدع في لغة الحوار و فنراه يقول :-


قال لها :
-لا تنتظرينني عند البارحة
قالها وهو يرسم نافذة في الهواء

ويمكن أن نلمس ذلك عبر إمكانات اللغة وهو ما يمكن أن نلمسه من خلال الحوار الذي أستطاع الإفصاح عن ثقافة الكاتب وأفكاره ومعتقداته وطموحه وهمومه بصورة عامة، فضلاً عن كشف ثقافة شخصياته التي أوردها عبر أسلوب الحوار في مجموعته القصصية.
إن الحوار القصصي يؤدي وظائف عدة تعين على تحقيق أهداف فكرية وقضايا فنية، واستطاع الأديب أن يوظف المحادثة اليومية بما يعزز وضعه الفني، وأن يخدم أيضاً الحدث القصصي والشخصية في سياق البناء العام للمجموعة القصصية.
فنراه يقول :-
– ما أجمل لون عينيك ولون شعرك !
– لم تجبه وتابع
– ما اندى يديك!
ما رأيك لو نذهب مشوارنا القادم ؟
اعتلى الصمت المكان
عندما أغلقوا عليها الصندوق مبتسمة
خبا صوتها بكلمته الأخيرة عندما اخترقته الرصاصة
إن علاقة الحوار القصصي بعناصر السرد المختلفة علاقة بنيوية ووظيفية، لا يمكن الفصل بينه وبين تلك العناصر السردية المكونة لبنية القصة، وهو مفتاح نجاح عناصر السرد في العمل القصصي , أفاد الحوار الداخلي من قدرتي الذاكرة والمخيلة في تعزيز أنماطه، وتنويعها، فاستطاع الكاتب تطويع التقنيات السردية ليستخدمها في معالجة النص القصصي ، كما في الاسترجاع والحوار الداخلي الفني اللذين يسهمان في التعبير عن العالم الداخلي للشخصية.
تعد لغة الحوار في النص أو العمل الأدبي جدارية يستند إليها العمل وينطق عبرها الشخوص بكل مفردات الحب والالق المخزون داخل مكنونات القضية وحكاية النفس الإنسانية, والأداة اللغوية في الحوار بمفرداته ومستواه ووظيفته رمزيا وتقنيا كلها قضايا شغلت الباحثين في حقل القصة القصيرة جدا , بسبب ازدواجية اللغة أي استخدامنا للعامية في الحديث اليومي والفصحى في الكتابة, هذه القضايا شكلت محور عدد من الكتابات التي أثارت إشكالية الحوار داخل النص القصصي, والتي تعد المركز الرئيسي والعماد والنافذة التي تبرز من خلالها شخصيات المجموعة القصصية التي تشكل حال الكلمة ووجع الحال.
وإذا كان وصف الشخصية في النص يأتي من خلال الحوار مع الآخر فانه لا يتم إلا عبر قنطرة الزمان والمكان فضلا عن المكونات النفسية والسلوكية, لان بهذا الأسلوب يتمكن الراوي من سبر أغوار الشخصية والكشف عن اتجاهاتها وأزماتها الخارجية ووعيها لما حولها وفهمها لأدق الأمور التي تستكن في تفكيرها.
تتكلم الشخصية في الحوار بلغتها الخاصة عن رؤيتها للأحداث وانفعالاتها وتاريخها, في الوقت الذي يختفي فيه الراوي, بمعنى إن خطاب الراوي يتوقف, ويبدأ خطاب الشخصية ,وقد تجسد ذلك في المجموعة القصصية التي بين أيدينا
لذا وجد الأديب نفسه هذه المرة أمام تجربة من نوع مختلف , وهي الكتابة المرئية التي تخترقها أضواء الذاكرة تارة , أو استجوابات اللحظة الراهنة , وأسئلتها كلها تتقاطع أمام الأديب محمد ياسين مثل فليم بدايته نهايته , ونهايته بدايته , كما يمكن أن لا تكون هذه البداية هي حقا بداية ولا النهاية هي حقا نهاية , لأنه في هذه النصوص السردية يعطي صورة أخرى , فنراه يقول :-
قال : هل هي هزة أرضية ؟
– ربما, ولكن لم اشعر بها !
– نعم ولكني أرى نفسي داخل المرآة وخارجها
– صمت الجميع بدا تسرب الماء إلى الزجاجة

الاديب محمد ياسين
الاديب محمد ياسين

أحس الاديب محمد ياسين للمرة الأولى بمعنى الكتابة النثرية , اقترب أكثر من السرد التي كان ينظر إليه عبر نافذة الكتابة الجديدة , لكنه هذه المرة دخل النثر من بابه الأقرب إلى السرد , أي ترك اللغة بأبسط أشكالها تحتوي كيانه بأعمق نقطة فيه ,ولعله في هذا النمط من الكتابة يقترب من بعض الكتابات اليابانية ذات الطابع التسجيلي , والتي تبدو كأنها سهلة من الخارج , ولكنها في الواقع تتطلب دراية , وهندسة من نوع آخر.
إن الإبداع هو مصدرُ ضوء استكشافيّ مستقبليّ بالضرورة ولا يمكن أن يُطلبَ منه ممارسةً يوميةً أيديولوجية أو دينيّة, إن الشعوبَ لا تمضي إلى أمام من دون استجلاءٍ وكشفٍ وحس تنويري يسبق كل مسيرة تحول, هنا يقع دور الإبداع شعراً أو تشكيلاً أو نثراً, لأن عمليّة التحول الاجتماعي هي انعكاس داخل اللغة التي تشكل الصورة المقربة إلى الفرد المجتمع, في اللغة تنعكس كل ظلال الألم والخوف والمعرفة والجمال والرعب والانتظار والجنون, وهذه هي البصمات التي منها نعرفُ هوية وحقيقةَ شعبٍ ما وهي حبرُ كلِّ نص إبداعي حقيقي.

أوبرا مصر – دراسات ومقالات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى