أخبار عاجلةالرئيسيةدراسات ومقالات

محمد رضوان يكتب أمان الطريق الذي نعرفه… وخطر الطريق الذي يشبهنا

 

هناك طرق نسير فيها لأننا اعتدنا السير فيها. طرق محفوفة بالأمان، لأن نهايتها معروفة، وملامحها واضحة، وخطواتها مُجرّبة من قبل ملايين غيرنا. هي الطرق التي تعلمناها من الأسرة، أو المجتمع، أو التجارب الأولى التي شكّلت في داخلنا “إحساسًا مزيفًا بالطمأنينة”.
ومهما بدا هذا الطريق مستقيمًا، فإنه يحمل شيئًا واحدًا مؤكدًا: إنه لا يشبهنا.

الإنسان في بداياته لا يختار طريقه بقدر ما يُوضع فيه. يكبر داخل نظم جاهزة، وتوقعات جاهزة، وأسئلة لا يُسمح له بطرحها، وجواب واحد يقول له دائمًا: هذا هو الأفضل، لأن الجميع يسلكه.
ومع الوقت، يتحول المألوف إلى سجن لطيف، نعرف فيه كل شيء… إلا أنفسنا.

لكن المشكلة الحقيقية لا تظهر عندما نسير في الطريق المألوف؛ بل عندما نكتشف، فجأة أو تدريجيًا، أن الطريق الذي نعرفه لا يعكس أي شيء من حقيقة ما نشعر به. عندها فقط نفهم أن الأمان ليس قيمة مطلقة، وأنه قد يكون غطاءً خفيفًا فوق حياة بلا معنى عميق.

الطريق الذي يشبهنا غالبًا يكون أخطر.
ليس لأن الخطر حتمي، بل لأنه طريق غير ممهد، لم يمشِ فيه كثيرون قبلنا، ولا يوجد من يضمن لنا نتائجه. إنه الطريق الذي يجعلنا نواجه أنفسنا بلا وساطة، بلا أدوار جاهزة، بلا توقعات مسبقة.
والمواجهة الحقيقية مع الذات هي أكثر أنواع المخاطرة عمقًا.

لكن، رغم الخوف، ثمة حقيقة لا يمكن تجاهلها:
الإنسان لا يجد نفسه في الطريق الذي يعرفه، بل في الطريق الذي يشبهه.

الطريق الذي يشبهك يطلب منك شجاعة، ليس لأنك ستفقد الأمان، بل لأنك ستفقد الصورة القديمة التي كنت تختبئ خلفها. يطلب منك أن تتخلى عن رضا الآخرين، وعن إجابات المجتمع الجاهزة، وعن فكرة أن النجاح يجب أن يُقاس بما يراه الجميع.
في هذا الطريق، تنكشف نقاط ضعفك، وتتعرى رغباتك، وتظهر حقيقتك التي كنت تخشاها. لكنه الطريق الوحيد الذي يمنحك فرصة أن تعيش حياة لا تبدو مُستعارة.

ومن المفارقات أن الخوف من الطريق الذي يشبهنا ليس خوفًا من الفشل، بل خوف من أن ننجح بطريقة لا يفهمها الآخرون.
الناس يتقبلون نجاحك ما دام يشبه نجاحهم… لكنهم كثيرًا ما يرتبكون حين يرى نجاحك مختلفًا، حرًا، خارجًا عن السرب.

ومع ذلك، أجمل ما في هذا الطريق أنه يخلق داخلك شيئًا لا يمكن للطرق الآمنة منحك إياه:
إحساسًا بأن خطواتك صادقة، وأن حياتك ليست نتيجة إملاءات بل نتيجة اختيارات.
هنا تنشأ الثقة الحقيقية.
وهنا يبدأ الإنسان في رؤية نفسه كما لم يره من قبل.

في الطريق المألوف، تسير لأن غيرك سار.
وفي الطريق الذي يشبهك، تسير لأنك تريد، لا لأن عليك.
والسير “لأنك تريد” هو منتهى الحرية.

قد تتعثر، وقد تتأخر، وقد تخسر بعض الكمال الخارجي… لكنك تكسب شيئًا أكبر:
تكسب نفسك.
وهذه مكافأة لا يمنحها الطريق السهل أبدًا.

في النهاية، ليس المطلوب أن تهرب من الأمان إلى المغامرة، ولا أن ترفض الطرق المألوفة لمجرد الاختلاف؛ المطلوب أن تصغي جيدًا إلى الطريق الذي يناديك من الداخل.
فالطرق التي تشبهنا لا تظهر فجأة، لكنها تُكشف لنا حين نتوقف عن السير على الطرق التي اختارها الآخرون نيابة عنا.

وكل إنسان، عاجلًا أو آجلًا، يصل إلى مفترق يقول فيه بصوت خافت لكنه واضح:
أريد طريقًا يشبهني… حتى لو كان أخطر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى