وضعية التلفظ السردي في (أكتب داخل رأسي) لفاطمة البسريني
بقلم د. مصطفى الشاوي
بقلم د. مصطفى الشاوي
“رأسي وعيناي وفمي كل شيء مشتعل في”
فاطمة البسريني
على الرغم من أن لكل نوع أدبي مقوماته الفنية والفكرية فإن أشكال الكتابة تختلف داخل كل جنس أدبي على حدة. وهذا التعدد قابل للتأطير بوجه عام نتيجة التراكم الكمي والنوعي في مجال الإبداع، واستنادا إلى التتبع النقدي المواكب لهذه التجارب، إلا أن هذا لا ينفي أن التعدد والاختلاف سمة مميزة للكتابة الأدبيةة
البسريني شرنقة، تقول في نص يحمل نفس العنوان “أسميها شرنقة وحدتي”. وفي ذلك تعبير عن الوحدة والاغتراب من خلال الإحالة على أطوار حياة الفراشة، ومرحلة ظهورها من الشرنقة، بعد أن كانت هي نفسها كائناً حياً، كالإنسان في مختلف أطوار كينونته ووجوده.
وتتخلل النصوص القصصية ملفوظات سردية كثيرة ترد ما بين قوسين وتؤدي بدورها عدة وظائف بحسب سياقها ونوعية المدلول السردي الذي تحمله، وتعضد فكرة كون النص القصصي عند الكاتبة فاطمة البسريني احتمال، كما أسلفنا القول؛ “بعضي يمزق بعضي”. وهو ما يجعل هذه العلامة الترقيمية – الدالة على فتح أقواس سرد ثم صدها – تؤشر على تمزق الذات الساردة؛ “أمشي وأنا أفكر في حياتي الماضية، والتي كانت دائما عبارة عن (ما بين قوسين)”.
والمعاناة في قصص المجموعة أعمق بكثير من كونها محصورة في دائر الذاتي إنما ترقى بها الكاتبة فاطمة البسريني إلى ما هو أسمى وأعمق إلى ما هو سرمدي وفلسفي ووجودي، معاناة سيزيفية (كما عبرت عن ذلك في إحدى القصص). وعلى هذا الأساس تنصهر الذات في الآخر المطلق بكل امتداداته، وتخضع بعض اختياراتها الذاتية إلى المساءلة والشك والقلق، تقول: “وألعن لحظة الهجرة الأبدية التي استوطنت نفسي إلى الحب والشعر والثورة والإنسان النقي وليس السوي”.
والكتابة عند فاطمة البسريني، أولا وأخيرا، تطهير للذات من المنظور السردي الذي تبناه نصوص المجموعة، لأنه متنفس به تتخلص مما علق بها من شرور وأدران، ليست تلك التي تقترن بالآخر بمختلف تجلياته، بل تشمل الذات نفسها. إن ثمة صراع داخلي بين تحاذبين مفارقين؛ الرغبة في تحقيق التوازن المنشود؛ “أغتسل من كل أدران نفسي ومن أدران هذا المجتمع المجنون الذي أعيش فيه”. وفي ضوء هذا الصراع تتساءل الذات الساردة وهي تكابد معاناة وجودية عميقة؛ “هل التوازن الذي أحاول أن أقيمه مع الحياة من أجلك يا نفسي خطأ”.
نخلص إلى القول إن الضمائر التي تؤثث النصوص السردية أضفت على المحكيات طابع التعدد في الأصوات الساردة والمسرودة، ويعكس هذا التعدد في جوهره حوارا ضمنيا منح للنص دينامية داخلية ملحوظة تشد انتباه القارئ وتدعوه إلى البحث عن مصدرها ووظيفتها، وهي خاصية سعت الكاتبة فاطمة البسريني إلى حبكها بإتقان لتمنح النص جمالية حسن التوليف بين المحكيات المنصهرة في بوثقة الذات الساردة والمهيمنة على الحكي. وهكذا، فإن من مظاهر الجدة في المجموعة تداخل وضعيات الخطاطة السردية بالتركيز على الفكرة، دون الوقوف بدقة عند التفاصيل، البدايات والوسط والنهايات. ولعل استهداف عنصر الحبكة، الذي كان وما زال يزحف عبر استحداث نمط شاعري للقصة، والمزاوجة بين الحدث ومونولوج الكاتبة، مما يحجب باحترافية العنصر المفقود في الحكي.
إن القصة عند الكاتبة فاطمة البسريني غوص في عالم غريب، سفر في المجهول، رحلة بحث عن حقيقة الذات، رصد لمفارقات الواقع، انفصال تام عن كل شيء في صمت وهدوء، سباحة حرة في عالم من الحلم والخيال، انصهار عجيب في الزمان والمكان، الحكاية استرسال واستدعاء ومناجاة، اشتعال للحواس واشتغال للفكر “رأسي وعيناي وفمي كل شيء مشتعل في”. وتبين إذن، أن التجريد سمة مميزة للمحكي ولمختلف العناصر الفنية للقصة. والاحتمال رصد للواقع في بعده المتخيل وخطة إنجاز ممكنة تصدر عنها مختلف نصوص المجموعة. والإيحاء خاصية أسلوبية تطبع اللغة السردية بميسم جمالي وتجعل النص السردي متعال عن الواقع وقابل لتحقق قرائي متعدد. وكلها سمات تطبع الكتابة القصصية بالجدة والحداثة.
هوامش:
1 – قدمت هذه القراءة في حفل توقيع المجموعة القصصية، يومه السبت 5 أبريل 2025، بالمركب الثقافي والفني بسينما الريف لجمعية الإسماعيلية الكبرى، بمكناس، تحت إشراف جمعية عبق الخريف للثقافة والإبداع.
2_ فاطمة البسريني، مطبعة وراقة بلال، فاس، الطبعة الأولى، 2023، ص 18
3 _ (الشرنقة )ص15
4_ (نوفمبر) ص38
5_(فبراير )ص43
6_(بئر الخطأ) ص56
7_ (قهوتي سوداء) ص 85
8_ (بئر الخطأ) ص55
9_ (ثقوب ) ص18





