أخبار عاجلةالرئيسيةدراسات ومقالات

مصطفى علي يكتب “سماء مُغادِرة” لمنال رضوان.. دعوة هروب نحو أرض أخرى ممكنة

 

 

تجبرني الذاكرة على استعادة ضرورية للحظة التي كان فيها شكل البداية، وبتصرُّف، أستدعي ما قاله صديقي الشاعر المجهول: “مِنْ أين تبتدئ القصيدة يا ربيع؟”، وها أنا أقولها هنا: من أين تبتدئ الرواية –تلك الرواية- يا منال؟
لعل الكاتبة منال رضوان بدأت روايتها “سماء مغادرة” بقول حاسم كحكم القضاء: “الزمن يمضي والعشق مقيم.. من هنا تبدأ كل مأساة”، فبهذا المفتتح الشعري والشاعري تقدم الكاتبة لروايتها، التي قد تكون العمل الروائي الأوحد الذي يرصد واقعا إنسانيا على خلفية حدث الحرب الإسرائيلية الإيرانية، لكنها بالتأكيد ليست الأخيرة في سلسال الروايات الراصدة لفعل الحرب وأثره في الأنفس، تلك الأنفس الضائعة في تيه الحياة والعشق.

الناقد الأدبي مصطفى علي

من طهران تبدأ الحكاية، متبوعة بالهلع والفوضى، ولعلنا من نقطة المفتتح نضع أيدينا على بصمة اللغة التي انتقتها الكاتبة، فالكتابة هنا تتراوح بين نثر معجون بشِعر، وشِعرٍ ممسوسٍ بنثر، حتى إن تفاصيل سردية صغيرة تبدو مليئة بروح الشعر، مثل تلك العبارة المشهدية الدالَّة “انقسام شاشات القنوات خلال الحروب أو الأحداث الكبرى إلى مربعات صغيرة يعكس جنون العالم…!”، ويعكس أيضًا التفتيت الذي تعيشه تلك العاصمة المرصودة من الطائرات، والأرواح التي تكابد الشوق على أرض مؤقتة.

غلاف العمل

في غياب الحدث
تتنقل البطلة جغرافيًّا/نفسيًّا بين القاهرة وطهران والإسكندرية وروسيا، في رحلة روحية، متخففةً من ذكرياتها وأعبائها برميها خارجًا، متخففةً من الحدث السياسي المزلزل ذاته، فلسنا هنا في مقام سرد تاريخي وعسكري وحربي، بل سرد روحي، فالرواية مفعمة بمحاولات الخلاص من القلق والألم وإلقاء ما هو زائد عن الذات في سياق مشحون بالخوف الوجودي.
المدينة التي تبدأ الأحداث الملتهبة بها، طهران، تتلقى ضربات إسرائيلية مفاجئة، تلك المدينة صارت منهكة كالهاربين من ذُعر يلاحقهم، فيسابقون بالتبعية كرَّ الزمن الهادر، تماما كتلك البطلة:
“كانت تجري، وربما تُسحب بخيطٍ خفيٍّ… الوجوه تتشابه في ملامحها المذعورة… الأصوات تتلاشى… لم يبقَ سوى ارتجاف خافت في صدرها”.
كل شيء في فضاء السرد هنا يدفع نحو هرب ما من واقع غامض، مضطرب اجتماعيًّا وسياسيًّا عبر سنوات التشدد، لا وقت لتحليله وتأمله، ولعل المُغادرة، الواردة في عتبة العنوان، تقرُّ بضرورة الانتقال، انعتاقًا لا ضعفًا، فاستخدام مفردة “مغادرة” بدلًا من “راحلة” مثلًا، يعني ترك المكان اختياريًّا، كحل أمثل، كقولنا “غادرتُ المنزل إلى العمل”، فيما المفردة “ترك” تعني التخلي عن شيء، أو الانفصال عنه، أو إبقاءه في مكانه مثل قولنا “تركت مفاتيحي على الطاولة”، فالمغادرة إذًا تركز على حركة الفاعل إراديًّا، وهو ما يعنينا من حسن اختيار المفردة المُلمَّة بما يجب على الروح فعله.
لا تبدو لنا الحرب كحدث سياسي بقدر ما هو حدث إنساني يعيد ترتيب الأحداث في مفكرة الإنسانية، فيمكننا أن نقول إن “سماء مغادرة” رواية عن انكسار الروح الذي تُنتجه وتتزامن معه أحداث كبرى في الخارج المُدجَّج بالقلق والموت وأيديولوجيا خطف الإنسان، ما يدفعه –أي ذاك الإنسان- إلى حالة من الكُفر بوجوده “هُنا” بحثًا عن وجود أكثر اتساعًا، “هُناك”، و”اتساعًا” تعني أمنًا وهُويةً وذكريات.
حدث الحرب ليس إلا شرارة تكسر استقرار الأبطال وتحوِّل العاديَّ في حياتهم إلى محض جريٍّ في الشوارع.. جري مطلق يحرك عجلة التوتر.. عجلة الخوف.. خوف من الداخل الصامت، المُحاصَر بالعَسَس، وخوف من الخارج المحمول على صوت القنابل، وما بين خوفَين يسكن جسد وروح في انتظار لحظة الفرار/لحظة الخلاص.
الأبطال يبدون في “سماء مغادرة” في حالة ارتحال دائم، إما نتيجة الصدمات طبقا لسيناريوهات الحياة العبثية، وإما بفعل الحب القاتل، شاب يموت في حادث قطار، فيبدو لنا طيفُه كأنه تحرَّر من جسده أخيرًا، وإثر ذلك يريد بطل آخر الانعتاق من حياته فيهاجر هجرةً أولى، فيما يوحي السرد، عبر تقنية تقطير مقتطفات الحكاية، التي تستكمل ذاتها تلقائيًّا، بأنه انعتاقٌ آخر للجزء في مقابل تحرر الكل، كل الحكاية لأبطال مأزومين يهربون من رحيل ليدخلوا في رحيل، بينما كلمة السر والتحول في حياتهم قد تكون فلسفة “العشق”، أو إعادة تأويل الحياة حُبًّا، تلك التي لم نفهمها في عرضها الأول كمسرحية ملغزة، وكأننا أمام أبطال يؤمنون بنظرية العود الأبدي، لكنهم لا يريدون للنظرية تكرارًا باهتًا، بل يرغبون في نسخة منهم غير مطابقة لما عاش في الحياة الأولى.

منال رضوان

دُمى ممسوحة
بين دُمى ممسوحة الوجه لمزيد من البقاء أو رغبة في الاستعادة، وبين أول ليلة ليوسف في السجن، رمزية وجب التوقف عندها، فكلتا اللحظتين بكاءٌ صامت بلا حيلة، ففي البكاء الصامت قد يبدو خلاصٌ ما من السجن، خروج من الحالة البشرية، أو توهّم الخلاص، تمامًا مثلما حاولت البطلة أن تتخلص من اسمها بالحصول على درجة أكاديمية!
هنا يكاد الوعي أن يصبح، عبر رمزية دراسة الفلسفة، نوعًا متقنًا من الهرب هو الآخر، ففهْمُ الوجود في حد ذاته انتصارٌ أوّل، أو عتبة من عتبات الانتصار، فالفهم وطَنٌ في حد ذاته لمن فقد بوصلة الوطن، أو فقد دوافع الحياة وهو يبحث عن ثقب إبرة للنجاة والعيش بسلام.
عود على بدء
قد نعود في النهايات إلى سؤال البدايات، مِن أين يبتدئ النص؟ من تلك اللحظة التي يقرر فيها الكاتب أن يحكي، أم من تلك اللحظة التي يقرر فيها صاحب السرد وضع نهاية للحكايات، نهاية أبطاله، وما يجب عليهم فعله؟ غالبًا، وبما أن الرواية عمل مُخطّط، فإن الكاتبة كانت تعي كيف سيحط حمام السرد على سور الحكاية، لكنها سرّبت إلينا بمهارة السقوط المتأرجح كلَّ التفاصيل والمنمنمات لصنع قماش العمل الفني، ما بين ثقافة واسعة ميّزتها، ودراسة مستفيضة لخطوطها الدرامية، حتى خُلاصات ما تود طرحه على وجدان قارئها، مِن أنَّ زمن روايتها “يمضي” والعشق “مُقيم”!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى