أراء حرة

فيلسوف الأدب العربي المعاصر

 

  كتب: عبدالرحمن عبيد

لم أدرك سلفاً أن د يوسف زيدان يهدف في رواياته دائماً إلى عرض أفكاره بطريقة غير مباشرة، والرواية في مذهبه وسيلة وليست غاية، هل لأقبال الناس على الرواية واستثقال الكتاب لما يحويه من الأكاديمية المهترئة الصدئة عند بعض القراء؟، ربما؟ فهو دائماً ما يتحدث بما تشتعل به رواياته في الغالب، فنرى في “عزازيل” _ أول ما قرأت له _ جانباً روائياً وشاعرياً على أعلى مستوى، ثم الخلاف بين النسطورية والكنيسة الأرثوذكسية، وقضية مقتل هيباتيا، الفليسوفة اليونانية، والقديسة الملائكية، الذي أحدث دوياً صارخاً في عقولنا جميعاً، بل وزلزل الرأي العام وقتها، فكيف لم ينشغل الناس بالراهب هيبا وعشيقته مرتا بجانب شخصية عزازيل التي تثير التساؤلات والأراء المتباينة؛ في كونه شيطاناً ناصحاً أم صوتاً واعظاً ينبثق من عقل هيبا ممثلاً انفصاماً في شخصيته، ورغم ذلك؟!، صوبوا أنظارهم صوب الجانب التاريخي الشائك في حياة الكنيسة حول طبيعة السيد المسيح؟، ومن هنا نجح الأكاديمي الكبير د/يوسف زيدان، في عرض فكره ورؤيته على الصغار والكبار، حتى طال منابر الجامعات ومقاعد المفكرين والعلماء.


 ورغم غياب المتعة الروائية أحياناً في رواياته، وظهور الحبكة الأكاديمة إلا أنه ينجح في عبور هذه الثغرة الضيقة من عالم الكاتب إلى عالم المفكر، فتُوقَدُ في عقولنا عينٌ على الحدث الروائي وعينٌ على الحديث العلمي، كما حدث في رواية “جنون حاكم ابن الهيثم” فنحن في صدد التعرف على الحاكم بأمر الله، هل هو سفاح؟ هل هو مجنون؟، وما سر الملوخية وعلاقتها بالشيعة؟، ومن هم الفاطميون؟، ومن هو الحسن ابن الهيثم؟، وكيف خدم الأمة الإسلامية، بل والبشرية كلها، وكيف يتحقق تألف بين الحاكم والعالم، كيف سيكون حال القارئ هنا في هذه البوتقة الفكرية، سوى أنه بالتدريج سوف يدرك غرابة أسرار الماضي، وتخاذل أهل الحاضر في التنقيب عنه.


انتشرت من عدة سنوات حب القراءة في المثيولوجيات وتاريخ الأديان، فكانت كتابت بعض الكتاب الجماهريين سطحية لأبعد حد؟!، بل وتعطينا كلاماً مما يلقيه خطيب يوم الجمعة للعوام، ولكن مع د/يوسف زيدان هناك تجربة مختلفة، ففي عزازيل كما أشرنا سابقاً يُظْهِرُ جانباً مختلفاً تماماً عما كنا نعرفه عن الديانة المسيحية، بل وناقش في رواية “النبطي” دين العرب قبل الإسلام، وصور العبادات الوثنية والعادات الجاهلية، بل وأحضر أحياناً نصوصاً مما تحدث به أهل هذا الزمان في عبادتهم، فأنت أمام عَالَمٍ مختلف، وكذلك في رائعته “ظل الأفعى التي وصفها د/صلاح فضل بأنها: (تجربة فذة، فيها من القوة والمعرفة ما يطيح أحياناً بالتقنيات الروائية التي نعرفها)، نتعرف على الديانات التي عبدت الأنثى في الأزمنة البائدة، كـ( عشتار، وإنانا، وإيزيس)، فيسمح لنا د/يوسف زيدان بالاطلاع على صفحة جديدة على عقولنا، مهترئة القِدم داخل المخطوطات والكتب، كل هذا يطرح تساؤلاتٍ كثيرة؟، فهل يهدف كاتب الرواية إلى أحداث التساؤل بديل المتعة أم إن التساؤل في ذاته ولذاته هو المتعة الحقيقية؟.


رغم هذا هل ينتصر الأديب إلى فكرته التي آمن بها في المقام الأول؟، مضحياً بالمتعة الروائية ، فتُقدم الفكرة على المتعة، فتصير المتعة أسطوراً قليلة في كتاب، والفكرة هي الطاغية في الرواية بل والنهايات كلها محسومة من بداية الرواية إلى منتصفها، فتصير الرواية تأريخاً لفترةٍ وعرضاً لنظرةٍ، هذا ما وجدته في رأيي الشخصي؛ في رواية “فردقان اعتقال الشيخ الرئيس” في هذه الرواية يتحدث د/يوسف زيدان عن الشيخ الرئيس أفضل المتقدمين “أبي علي الحُسين ابن سينا” ، فيتقصى البدايات ويتبعها النهايات ثم يسرد الأحداث، ويغلب التاريخ ثم رؤية الكاتب نفسه على كثيرٍ من أحداث الرواية، وقد تعرضت هذه الرواية لما ليس له فائدة _ على ما أعتقد _ ، فتلك المشاهد الأخذة في البشاعة والمجون بطريقة تثير الأشمئزاز _ حتى كدت أتقيئ _ تشوه العمل وتجعل القارئ في مزاجٍ مضطربٍ من جهة العمل وصاحبه ، وهذا يظهر واضحاً جلياً في الفصل المسمى بـ(سندس)، ورغم كل هذا فقد ناقشت هذه الرواية قضية من أخطر القضايا في تاريخ الأمة العربية والإسلامية وهي قضية “الإمامة في قريش” والتي ترتب عليها صراع الغزناويين على الحكم زمن الخلافة العباسية، ومصير العلماء بين تلك الصراعات التي أدمت صدر الأمة الإسلامية، فالشعوبية؛ التي ابتدعها الأمويون زمن خلافتهم العضوض والتي ورثها العباسيون فيما بعد، هي من صنعت تلك الممالك التي سفكت الدماء وأحدثت حقداً بين المسلمين، ومهدت لسقوط الدولة الإسلامية رويداً رويدا، وبعد كل هذا أجد المتعة رغماً عني! ، ربما الفكرة عند يوسف زيدان هي المتعة الحقيقية وليس الحماس والتشويق الروائي، المعهود لدى الكُتاب، والمحبب لدى الشباب.


في نهاية المطاف أعترف أن د/يوسف زيدان، قد أحدث نقلة في الرواية العربية يحمد مجهوده فيها، فقد خلق في عَالَم الرواية عوالم خاصةً به، وشيد قصوراً من المعرفة داخل رواياته ومؤلفاته، وصنع من المحبين والمنتقدين أصدقاء، وأحياناً أخوة، فمهما كنت أياً من الأثنين، ستبقى محباً لقلمٍ من أصلب الأقلم قوة ومتانة على الساحة الثقافية والفكرية، فهو أديب يكتب الفكر، ومفكر يكتب الأدب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى