دراسات ومقالات

ابراهيم اسماعيل عبد يكتب: بيئة جديدة برواية يزن ..حجر القمر

 

ابتهال الشايب
ابتهال الشايب

في البدء أود التمهيد لمقالنا برأي يخص العالم السفلي , إذ من الشائع ان يتناول بعض الكُتّاب عالماً ليس بمقدور أحد التيقن من وجوده او تحديد ماهيته , ذلك هو العالم السفلي , او حياة ما بعد الموت . ومن الشائع كذلك ان جميع من كتبوا روايات عن العالم السفلي استقوها من مصدرين فقط , العقائد والتراث , وسوقوها فنياً عبر التخيل الذي يحذف ويزيد . اما ان يتخلق عالم روائي لنسخة العالم السفلي المتخيل (كله) , ولا ينتمي الى العقائد ولا للتراث , فهذه قفزة مهمة في الخلق الروائي .

بنظرة مبصرة الى الوراء يمكن ان نُذَكِّر بأن أول نزول للعالم السفلي كان لجلجامش بإثر صديقه أنكيدو . وربما ثاني نزول للعالم السفلي كان لبعض آلهة اليونان المتخصصين برعاية العالم السفلي كالإله ديموس ابن الإلهة سوسمبر , ونعتقد ان النزول الفني الثالث كان فنياً , قام به أبو العلاء المعري برسالة الغفران . ورابع نزول لدانتي وخامس نزول للإيطالي كالفينو , وها هو النزول السادس بين أيدينا , انه رواية (يَزَنْ .. حَجَرُ القَمَرْ) للروائية المصرية ابتهال الشايب “([1]). وان أول سؤال مرادف لهذا التذكر هو :    بأي وجهة نظر عبّر كل اتجاه عن العالم السفلي؟.

على عجالة سنلخص ذلك بالقول : ((ان الأغراض الدينية للعقائد جميعها تجمع على هدف واحد هو تحقيق العدل والسعادة لمن يستحقهما بعمله الدنيوي , ومعاقبة من لا يستحق جنة السعادة . اما جلجامش فقد دخل العالم السفلي لمواساة نفسه دونما غرض بعيد , وآله اليونان دخل الى العالم السفلي لرعاية الموتى وإراحة نفوسهم من رغبات الدنيا , وابو العلاء المعري دخل العالم السفلي بغرض معرفي , وكالفينو دخله لغرض تحطيم عُرى الاخلاقيات الجسدية , بينما (ابتهال الشايب) قد خلقت عالماً متصلاً متواصلاً , له بٌنى (اجتماعية وفنية وفلسفية). لنتماهى مع هذا العالم عبر برواية (يَزَنْ .. حَجَرُ القَمَرْ) , كتجربة جاده للفهم , تبسيط  معنى الموت , بل وتسهيل التآخي معه. لنتابع افتتان الكاتبة بفنية وتفكير وتقنية رواية (يَزَنْ .. حَجَرُ القَمَرْ) , بحسب الترتيب الآتي :

أولاً : العنوان

لنتابع فلسفة العنوان وعلاقتها بتقنية الرواية  على محورين /

أ ـ الغلاف عنوان

نلاحظ ان للعنوان في الرواية منطقين , الأول منطق تقديم الاسم (يَزَنْ) على (الغلاف الواجهة) دون كلمتي حجر القمر , ووضع اسم الكاتبة تحت العنوان مباشرة , لأجل الإيحاء بأن زين هو من صنع أو اكتشف ابتهال الشايب , وهو الأهم بين شخوص    الرواية , واما المنطق الثاني فيخص اضافة (.. حَجَرُ القَمَرْ) بالنقطتين الفاصلتين بين (يَزَنْ) و (حَجَرُ القَمَرْ) , ليصبح (يَزَنْ .. حَجَرْ القَمَرْ) , فيعني ان الكاتبة وصفت حال المتون التي ستجيئ بأنها متصلة ومنفصلة ومستمرة . بمعنى ان النقطتين يصلان ويفصلان (بين ومع) عالمي الموتى والأحياء فضلاً عن الفضاء المكمل الذي تصنعه ألوان الغلاف .

ب ـ العنوان ـ ما بعد الغلاف

في الصفحة الأمامية للغلاف وضعت الكاتبة اسمها تحت كلمة يَزَنْ ليُقْرأَ (يزن بن ابتهال الشايب)! , وكأنها تقول (يَزَنْ .. ولدتُهُ ميتاً) . اما الصفحة الثانية بعد الغلاف فهي تخص العنوان أيضاً , وهو عنوان خرج على طوعها ليتوكل ـ عنها ـ في صنع المتون باعتبار ان المؤلفة ستتوارى خلف الكائن (يَزَنْ).

ج ـ عنوان الخطأ المقصود

ترى الكاتبة ان حقيقة يَزَنْ هي الموت المعادل للسكون فهو لا يستطيع الحركة ولا النطق لذا فمن الاولى به ان يكتب بحرف نون مسكن (يَزَنْ) , وبموجب هذا الاعتقاد يمكن التجاوز على منطق الاملاء والنحو المدرسيين بخرقهما على أساس جمالي ومنطقي , مثلما يفعل الشعراء والفقهاء أحياناً . إذاً لا يوجد عبث في تشكيل العنوان الأمامي ولا في العنوان الداخلي!.

ثانياً : الموتُ بهرجة تقنية 

من الغريب ان تكون للموت بهرجة وافتتان تقني , لكن هذا ما يحدث حقاً برواية    (يَزَنْ .. حَجَرُ القَمَرْ) , لنتابع ..

أ ـ تقنية الترقيم

قسمت الروائية عملها برواية (يَزَنْ .. حَجَرُ القَمَرْ) إلى 32 لوحاً = جزءاً = قصاً موجزاً = قصص قصيرة جداً = الرواية كلها .

لعل الروائية (ابتهال الشايب) ستكون من رواد كُتّاب الرواية بتقنية القصة القصيرة جداً . وبتصورنا انها اعتمدتْ هذه التقنية للأسباب الآتية :

1ـ لتعطي انطباعاً على ان الموت يأتي على جرعات قصيرة للفرد الواحد وعلى دفعات سريعة للمجتمع , وان بطأه وسرعته تتساوى بنتيجته الأخيرة . اي الفناء الوهمي للحياة , بمثل وهم تلاحق الأرقام .

2 ـ تقسيم الرواية الى لقطات ليسهل منتجتها سينمائياً , ويسهل تصور وفهم وقراءة كل لقطة فيها .

3 ـ تعتقد الكاتبة بأن الاختزال والايماء يحتاجان الى مساحة صغيرة كتدوين وعمق تنفس كبير من جانب التأثير , وهذا لن يتوفر إلّا بتقنية القصة القصيرة جداً.

4 ـ الترقيم يعطي للفعل الروائي نوعاً من البهجة والبهرجة المريحة للنفس , لذا فهو يخفف وطأة كابوس الموضوع المهيمن على أجواء الرواية .

5 ـ ان هذه التقنية تعطي حرية للكاتب في ان يسيطر على تغير أجواء الكتابة والأحداث , والانتفال من شخصية الى اخرى , ومن فعل الى آخر .

ب ـ تقنية الأدوات الأخرى

ان ادوات الكتابة , النقاط المفتوحة مثلاً لها أهمية خاصة في رواية (يَزَنْ .. حَجَرُ القَمَرْ) للكاتبة (ابتهال الشايب) , ونقصد اننا نعدّها آلية مكملة لفضاء الجمال التقني لملحقات التدوين . مثلاً :

ـ ان آلية التقطيع بالنجوم لها ذات الأغراض التي أدرجناها في الفقرة (أ) , انما دورها يتحدد بمستوى كل قصة قصيرة جداً.

ـ ويمكن القول ان للنقاط المفتوحة لأكثر من نقطتين أهمية خاصة من جانبين :  جانب كونها زخرفة صورية لمساحة الورقة , إذ ان ذلك يعني كسر رتابة توالي السطور , ثم السيطرة على تشتت النظر الذي بدوره يشتت التركيز والفهم!.   وللنقاط المفتوحة ـ أيضاً ـ فعل بصري عقلي يخص الراحة والتأمل وتخيل الحدث او الوصف المحذوف .

 وفي موضع وصف الحدث المحذوف , نفترض ان القارئ تخيل لكل حدث على الورقة رديفين , فيعني ان الرواية ستصير ثلاث روايات .

ولو ان من قرأ الرواية هم ألف قارئ , فيعني ان الرواية صارت ـ بجهود القراء ـ ثلاثة آلاف رواية!.

* نعتقد ان القول : (لا يوجد عبث في أي فن) يتطابق مع رؤيتنا لرواية ابتهال الشايب الموسومة (يَزَنْ .. حَجَرُ القَمَرْ) .

* ويمكن الجزم بأن (الملحقات بالتدوين) تضافرت مع التدوين لتعطيه دفئاً زخرفياً مبهماً مبهجاً , يخفف ثقل المصير البشري الحتمي للمجهول . 

ثالثاً : بيئة جديدة

ان الروائية قد صنعت عالماً سفلياً مقنعاً , والاقناع ليس معناه امكانية لمس العالم ذي الصناعة الروائية , انما يقصد به : التمكن من ادراكه , ولهذا العالم مكونات من / ((موتى , أشجار , سماء , شمس , ريح , برد , صخرة , تجاويف)) . لنتابع على النحو الآتي :

أ ـ بيئة خرس أولية

ان ابتهال الشايب تبنت العالم السفلي هذا بكونه كياناً معادلاً وموازياً ولصيقاً ومعادياً للعالم الحي , لكنه عالم السكون التام . انه يختلف عن العالم العلوي للأرض , بالحرية والخوف وانعدام النفعية . هو عالم لا خيانة فيه من أي نوع , ولا جدوى من وجوده سوى تقبل هذا الوجود .

تُرى أليس لهذا العالم الأبدي من عناصر وعلائق تبرر استمراره ؟.. لننظر :

[سرح ـ يّزّنْ ـ قليلاً : “… أنا لا أتذكر وجوهاً لكني سأعتمد على احساسي , بالتأكيد سأجدهم هنا أو هناك , بالتأكيد هم هنا على أرض الموتى”. 

أشرقت ملامح الأشياء من حوله ؛ الصخرة والبحر والسحاب , وبدأت حواسه تستشعر الهواء : ” أين هم؟ ” . ظلت عيناه تراقب وجوه الموتى .. أين؟

دار حول نفسه , بعض الموتى أخذوا ينظرون نحوه وعيونهم متسائلة وأفواههم مفتوحة , أين؟

بدأ يسير على التراب خلف صخرة لعله يجدهم , وجد تجاويف أُخرى في ظهر الصخرة لمكوث الموتى من الجانب الآخر , سار قليلاً … رأي يَزَنْ ملامح فهد هذه أول مرة خلف غشاوة بيضاء غطت عينه في اللحظات الأولى من الموت]([2]).

1ـ عند تفحصنا للمقطع هذا سنلاحظ ان البيئة صناعية تماماً , تنتظم بطريقة ترابط مقنع جداً.

2ـ وسنلاحظ أيضاً , انها بيئة موصوفة ضمن رؤية بصرية أولية , إذ الرائي يتساءل عن كل شيء ولا شيء .

3ـ المكونات المادية للبيئة هي (الصخرة والبحر والسحاب , الهواء).

4ـ للعناصر أُولئك اتصالات وظيفية في الواقع وفي الرواية /

ـ واقعياً : الصخرة والبحر من صنف وجودي يكمل بعضه بعضاً من جانب المكان والزمان والاحتواء , إذ البحر يحتوي الصخرة وهي تضم مياهه بين جيوبها , وهما معاً يستقبلان الهواء والسحاب ضمن دورة الماء في الطبيعة.

ـ روائياً : هذه الكائنات دخلن مكونات لغوية كأسماء في نسيج الروي , وهن محتوى للوصف الروائي , فضلاً عن انهن يكسبن المكان حدوده الجغرافية والوجدانية.

5ـ يخيم السكون (خرس البيئة)على الكائنات جميعاً بما فيهم يزن وفهد , اذ هما ثابتان او متحركان فهما ما يزالان بمكان واحد وظرف ثابت , يراقبان لا غير! , لا يأتيان بأي فعل يبدل الظرف الآني لهما , انهما (بآنية) أزلية!.

* ملخص طبيعة ووظيفة كائنات البيئة , هو انهن مكونات بصرية , لهن فلسفية تأويلية وجدوى لغوية , بالنسبة لمن يجيء الى أرض الموتى للوهلة الأولى !. بتصور الراوي .

ب ـ بيئة متعاظمة

تتعاظم البيئة بتكاثر وانتشار كائناتها , وتتضخم قيمتها عبر تضخم اسهامها في التسبب بالأحداث , الكارثية خاصة .

لنتساءل : هل في رواية (يَزَنْ .. حَجَرُ القَمَرْ) ما يقارب تلك الفرائض؟!

الجواب نأخذه بعد قراءة الآتي :

[الليل أثار الفضول … بداخل يزن فسأل ـ فهد ـ مشيراً بإصبعه : ” من الميت الذي   عرف … الاكتشاف ؛ العلاقة بين الشجرة والسماء ؟ ” رد عليه فهد بإشارات أُخرى موضحاً ” إنه سر قديم كامن في صخور وتراب الموتى , أخبرني به أحدهم … ” الى جانب ذلك كان هناك شيء آخر يعرفه فهد … هو قدرته على السيطرة على هذه السماء البعيدة , فإذا لم يصعد وينزل من الشجرة لكان النهار التصق بأعلى الموتى الى الأبد] ـ يَزَنْ .. حَجَرُ القَمَرْ , ص22.

ـ عندما يصير الليل كائن فهو واسع وكبير ومتضخم جداً , وسوف يصير ظرفاً له قوة وسيطرة على الكائنات المختفية بباطنه . بمعنى انه ظرف فاعل ومؤثر لدرجة التحكم بالنور والرؤية والسكون بواسطة العتمة التي يصنعها!.

ـ وعندما تُجعل السماء نداً فيعني انها قبة اكبر من الليل , ولها قوة هائلة كونها قدراً , وهذا القدر هو من يصنع النهار , فكم هما عظيمان (السماء والنهار)!.

ـ ولنفترض أن يزن يسيطر على فهد , وفهد يسيطر على السماء والنهار , وهما يتحكمان بالليل , الذي يتحكم بالكائنات المختفية بعتمته … ترى كم هو عظيم وكبير وواسع ومنتشر من يتيح الفعل الكارثي (الموت) لسلسلة الكائنات هذه!, وهذا المتحكم (فهد)!.   ج ـ بيئة متفاعلة

هي البيئة ذاتها السابق ذكرها بزيادة الشجرة والتراب وإيما الفراشة , وبتول الدموع!. هذه بيئة مكملة بإيقاعها الانساني , فيَزَنْ يجلس يراقب وفهد يتسلق , وإيما تطير وتبتسم , وقد تصير فراشة , وبتول تجلس وتنظر وتغلق فمها وتبكي وتدمع عيونها , هذه بيئة من أُناس وموجودات متجاورة , معاضدة لبعضها , متفاعلة مع بعضها. انها بيئة الفعل المتكافئ /

[جلس يَزَنْ على التراب بالقرب من فهد وهو يتسلق الشجرة , ايما التي رآها من قبل مازالت تطير على التراب مثل فراشة , وابتسامتها لاتزال على شفتيها تبتسم للموت , وعلى الجانب الآخر تجلس “بتول” بمفردها ناظرة الى التراب ولا تتكلم وفمها مغلق تماماً , ولاتزال الدموع تنساب من عينيها] ـ يَزَنْ حَجَرُ القَمَرْ , ص23

* يستنتج من المقطع السابق الآتي :

ـ ان الكائنات كلها تؤدي وظيفتها بمثالية مطلقة , كونها ضمن بيئة كونية لا تتحكم بها قوى الخارج , ولا تقاس بعقل بشري مختلف الرأي , كما انها بيئة أبدية العلاقات , لن تتبدل او تستهلك .

ـ ان هذا الظرف الخالد للبيئة ليس خالياً تماماً من الأحداث , فالجلوس والرقابة والطيران والابتسام والنظر , كلها افعال انسانية يحتويها عالم من موت وتراب , لهما ذات الوظيفة الناتجة عن الوجود الانساني . أي ان (الكائنات الإنسانية والتراب والموت) هم جماعة متضامنة متفقة على ضرورة انجاز مهمة الوجود الجديد لذاته وبذاته ولأجلهم ,  ولا غير!. 

[1] ابتهال الشايب ـ مصر , رواية (يَزَنْ .. حَجَرُ القَمَرْ ) , دار النسيم للنشر والتوزيع , 2015 , مصر

[2] ابتهال الشايب ـ مصر , رواية (زين .. حجر القمر ) , المصدر السابق نفسه , ص13 , ص14

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى